وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ ( 51 )
« 1 » . فالظاء في ( غليظ ) والضاد في ( أعرض ) وفي ( عريض ) مما تواضع الأوائل على قراءته بكل دقة وتمحيص ، وميزوا بذائقتهم الفطرية فيما بين الصوتين .
والحاء بالعربية تنطق « هاء » في بعض اللغات السامية ، وكذلك صوتها في اللغات الأوروبية ، فهما من مخرج واحد « ولولا هتة في الهاء لأشبهت الحاء لقرب مخرج إلهاء من الحاء » « 2 » .
ولعمق التوجه الصوتي في القرآن لدى التمييز بين المقاربات نجده يضعهما في سياق واحد في كثير من الآيات ، من أجل السليقة العربية الخالصة ، قال تعالى :
فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ ( 2 ) وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ . . . ( 3 )
« 3 » .
فالحاء من « فسيحوا » والهاء من « أشهر » في الآية الأولى إلى جنب الهاء من
« اللَّهِ وَرَسُولِهِ »
والحاء من « الحج » في الآية الثانية ، جاءت جميعها بسياق قرآني متناسق في هدف مشترك للتمييز بين الصوتين حينا ، وللحفاظ على خصائص العربية حينا آخر ، ولبيان اختلاطهما عند غير العربي المحض ، فلا يستطيع أداء « الحاء » تأديته « الهاء » إذ قد يلتبسان عليه ، وهو جانب فني حرص القرآن على كشفه بعيدا عن الغرض الديني إلا في وجوب أداء القرآن قراءة كما نزل عربيا مبينا .
لهذا نرى أن القرآن هو القاعدة الصلبة للنطق العربي الصحيح لجملة أصوات اللغة ، ولا سيما الضاد والظاء أو الحاء والهاء ، في التمرس عليهما والتفريق الدقيق بينهما .
ولقد كان سليما جدا ما توصل إليه صديقنا المفضل الدكتور أحمد مطلوب عضو المجمع العلمي العراقي بقوله :
هامش
( 1 ) حم السجدة ( فصلت ) : 50 - 51 .
( 2 ) الخليل ، كتاب العين : 1 / 57 .
( 3 ) التوبة : 2 - 3 .