تحمل في أحشائها من صور مدخرة ، ومشاعر كامنة ، لفّت نفسها لفّا حول ذلك المعنى العقلي » « 1 » .
وهو ما تنبّه إليه الزمخشري في تعليله ذلك من ذي قبل .
3 - وفي قوله تعالى :
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 76 )
« 2 » .
تنهض كلمة « كل » وهي صارخة مشرأبة ، لتوحي عادة بمعنى العالة في أبرز مظاهرها ، وقد استعملها القرآن لإضاءة المعنى بما فيها من غلظة وشدة وثقل ، لهذا الصدى الصوتي الخاص المتولد من احتكاك الكاف وإطباق اللام على اللهاة ، وما ينجم عن ذلك من رنة في الذاكرة ، وشدة على السمع ، فصوت الكاف في العربية ، وهو من حروف الإطباق ، شديد انفجاري مهموس ، وصوت اللام في العربية ، وهو من حروف الأسنان واللثة ، مجهور متوسط بين الشدة والرخاوة « 3 » .
وقد اجتمع المهموس والمجهور معا في هذا اللفظ ، فإذا علمنا أن المهموس هو الصوت الذي يظل النفس عند النطق به جاريا لا يعوقه شيء ، وأن المجهور هو الصوت الذي يمتنع النفس عن الجريان به عند النطق أدركنا سر اجتماع الكاف المهموسة واللام المجهورة في هذا اللفظ ، وما في ذلك من عسر في اللفظ دال على عسر المعنى وغلظته .
يقول أستاذنا المخزومي : « فإذا اجتمع صوت مجهور ، وآخر مهموس ، فقد اجتمع صوتان مختلفان لكل منهما طبيعة خاصة ، والجمع بين هذين الصوتين يقتضي عضو النطق أن يعطي كل صوت منهما حقه ، وفي ذلك عسر لا يخفى ، فإذا تألفت كلمة وقد تجاور فيها صوتان ، أحدهما مجهور ، والآخر مهموس ، فما يزال أحدهما يؤثر في الآخر حتى يصيرا مجهورين معا ، أو مهموسين معا » « 4 » .
هامش
( 1 ) تشارلتن ، فنون الأدب : 76 .
( 2 ) النحل : 76 .
( 3 ) ظ : ابن جني ، سر صناعة الأعراب ، 1 / 69 .
( 4 ) مهدي المخزومي ، في النحو العربي ، قواعد وتطبيق : 8 .