فصل في اسميه تعالى مالك الملك ذي الجلال والإكرام
بسم اللّه الرحمن الرحيم اعلم أن معنى مالك الملك هو الذي ينقل مشيئته في خلقه كيف شاء ، أو كما يشاء إيجادا وإعداما وبقاء وفناء ، والملك يعني المالك ، والمالك القادر التام القدرة ، والموجودات كلها ملكه ، ومالكها أي قادرها ، وإنما كانت الموجودات كلها مملكة واحدة لأنها مرتبطة بعضها ببعض فإنها وإن كانت كثيرة مزدوجة ، فلها وحدة مزدوجة ومثاله : بدن الإنسان فإنها مملكة لحقيقة الإنسان ، وهي أعضاء كثيرة مختلفة ، ولكنها متعاونة على تحقيق الغرض المدبر الواحد . وأجزاء العالم كأعضائه ، وهي متعاونة على مقصود واحد ، وهو تمام الغاية على ما اقتضاه الوجود الإلهي ، لأجل تناظمها على ترتيب ما سبق ارتباطها برابطة واحدة كانت مملكة ، واللّه تعالى مالكها ، ومملكة كل عبد ببدنه خاصة ، فإذا نفذت مشيئته في صفات قلبه وجوارحه ، فهو مالك الملك بقدر ما اقتدر من القدرة الإلهية مطلقا . والجلال والإكرام هما مطلقان ، والجلال صفة ذاته ، والكرم صفة فعله لأنه مقتضية على خلقه عليها . وأما ذو الجلال والإكرام ، فمختص بكرامة العالم الآدمي قال تعالى :
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ
إلى
الطَّيِّباتِ
، وتقدم ذلك في معنى اسمه : الكريم ، ولسنا بصدد الإطالة ، والإكرام منه خاصة وهو الإنعام ، وهو كرمه للطائع والعاصي ، والمؤمن والكافر بإسباغ النعم ، وتتابع الآلاء والفضل العميم وهو قوله تعالى :
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ
، وهذه جملة من حيث الإيجاد والتسخير للعالم الإنساني بالكرم . وأما إكرامه لعباده المؤمنين بخصوص وصف يعبر به ذلك ، أن يكرم عليه بأن أقامه على خدمته وعلمه أسباب قدرته ، وأشهده حقائق درجاتهم في حياته ، فوعدهم على لسان نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، وأيضا بالسر الذي اختصه به ، أن جعله من أهل اليمين وكرمه ونعمه في الدنيا في تعلق القلب بالجزاء عليها ، ونعمه في الآخرة مستوفية عنده من أعمال الجزاء .
وأما جلاله فهو الذي عم جميع الأكوان على رؤيته في الدنيا بهيبة الجلال ورهبة العظمة ، وذلك إلى يوم القيامة ، فتعود أنوار النظر عليهم ضياء يتجدد له به قوة إدراك في النظرة الثانية ، فوجودهم تأخير ، وكما قال اللّه تعالى في محكم التنزيل ، وقيل : إن حملة العرش ملائكة وجوههم كصور العجل ، وضعوا أيديهم على وجوههم حياء من اللّه تعالى ، لما جاء موسى وكانوا عبدوا العجل ، وأراد موسى قتل السامري ، فمنعه اللّه تعالى من ذلك ، وقال : لا تقتله فإنه كان كريما . واعلم أن الجلال والعظمة هما مبادي أحوال الإنس والجن ، وهو أوسط الأحوال ، والاستغراق والفناء هما انتهاء الأحوال ، فما كان في أول الأحوال برزت عليه صفة الجلال ، ومن كان متوسطا في الأحوال برز عليه البسط ، ومن كان في انتهاء الأحوال ، برزت عليه أحوال التمكين ظاهرا وباطنا . وحكي عن ابن الجلال أنه قال : كنت راكبا على جمل ، فغاصت رجل الجمل في الرمل ، فقلت : جل اللّه ، فأجاب الجمل : جل اللّه ، فكان للجمل قوة الاستعداد على وجهين : الأول أن الجمل كان قاصدا للّه تعالى ، والشاهد في ذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم :
« لو كنتم في جبل لحييتم على اللّه » والوجه الثاني أن الجمل لما يغلب عليه مبادئ الأحوال الواردة على الجلال لم يطق الجمل لكثافته أن يتحمل الأحوال الواردة عليه ، وعلم من جلال اللّه ، فأنطق اللّه تعالى سر حقيقة الحال على لسان الجمل ، لأن الجمل وإن كان حيوانا ففيه الروح التي نطقت من حقيقة الحال ،