وفارقهم بشر ، ومضى إلى ديار مضر ، فتعلم الخط منه عمرو بن زرارة بن عدس ، فسمي عمرو الكاتب ، ثم أتى بشر الشام فتعلم منه ناس هناك » . وفي رواية أن بشرا خرج إلى مكة ، وتزوج الصهباء بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان ، فعلم جماعة من أهل مكة الكتابة « 1 » .
وفي رواية ابن الكلبي ( هشام بن محمد بن السائب ) ( ت 204 ه ) والهيثم بن عدي ( ت 207 ) أن الناقل لهذه الكتابة من العراق إلى الحجاز كان حرب بن أمية ، وكان قدم الحيرة قدمة فعاد بها إلى مكة « 2 » .
وتختلف هذه الروايات في بعض المصادر - قليلا - عن هذا الذي أوردناه « 3 » لكنها تجمع على أن الخط لم يكن أصيلا في الحجاز ، وإنما دخله من اليمن أو العراق أو من أرض مدين وأطراف الشام « 4 » .
وسبق أن أشرنا إلى أن المصادر العربية تذهب إلى أن مكان اختراع الكتابة العربية هو الأنبار ، إلا أن النقوش التي اكتشفت في شمال الجزيرة تشير إلى أن الكتابة تولدت ونمت في شمال الجزيرة في بلاد الأنباط ، ثم اتجهت - على ما يبدو - تحت تأثير الظروف السياسية إلى الشرق « 5 » ، ووجدت في الحواضر العربية في العراق المناخ الملائم لأن تتطور وتتأصل وتنتشر في الحيرة وغيرها من القرى العربية التي أشرنا إليها فيما سبق .
فانتشار الكتابة بين عرب العراق قبل الإسلام أمر مسلم به ولا شك فيه ، واتصال مكة بأهل الحيرة وأهل الحيرة بمكة مسلم به كذلك ، فلا يستبعد إذن أن يكون بعض أهل مكة والمدينة قد تعلموا الكتابة من أهل الحيرة ، وأن هؤلاء علموها غيرهم من قريش وغير قريش « 6 » . لكن مما يثير الانتباه أننا لا نملك نصا جاهليا واحدا مكتوبا يعود إلى
هامش
( 1 ) السيوطي : المزهر ، ج 2 ، ص 476 .
( 2 ) حمزة الأصفهاني ، ص 19 . وابن خلكان ، ج 3 ، ص 30 .
( 3 ) انظر : البطليوسي ، ص 88 . وابن خلكان ، ج 3 ، ص 30 .
( 4 ) د . جواد علي ، ج 1 ، ص 188 . وانظر : أبو بكر بن العربي ، ق 4 ، ص 1946 .
( 5 )- Abbott , P . 8 .( 6 ) د . جواد علي ، ج 7 ، ص 65 .