8 - الاختيار عند القراء
وإذ انتهيت هنا ، - وفي الرد على « جولد تسيهر » إلى أن القراءة أساسها التلقي والرواية - أود أن أشير إلى موضوع اختيار القرّاء وهو يتصل بسنّية القراءة ، والقول بالأثر فيها ذلك هو موضوع « الاختيار عند القراء » . فقد كان لعبد اللّه بن قيس التابعي المشهور ( مات بعد 80 ه ) اختيار في القراءة « 1 » :
وشيبة كان يقول : « انظر ما يقرأ أبو عمرو ( 154 ه ) مما يختار لنفسه ، فإنه سيصير للناس إسنادا » « 2 » .
« وكان الكسائي ( 189 ه ) يتخير القراءات ؛ فأخذ من قراءة حمزة بعضها وترك بعضا » « 3 » .
« كما تجد ليحيى بن سليمان ( 277 ه ) وأبى حاتم السجستاني ( 255 ه ) « 4 » مثل ذلك » .
وأجد أبا على الفارسي ( 277 ه ) يقول في تخصيص حمزة بإمالة الأشرار والقرار وذات قرار ، والقهار والبوار دون ما عداها من الكلم مما كان في قياسها على صورتها : « فالقياس في ذلك وغيرها واحد ، ولعله اتبع في ذلك أثرا ترك القياس إليه ، أو أحب أن يأخذ بالوجهين ، وكره أن يرفض أحدهما ويستعمل الآخر ، مع أن كل واحد مثل الآخر في الحسن والكثرة » « 5 » .
والذي أريده هنا من عرض هذه الأمثلة من النصوص التي تشير إلى اختيار القرّاء في قراءتهم أن أبيّن أن هذا الاختيار يكون صحيحا إن وافق أثرا مرويا يدعمه ويستند إليه . فلا يسبقن إلى الذهن أن القراء غير مقيّدين في هذا الاختيار فهما لمعنى لفظ الاختيار على اطلاقه وعمومه ، وإلا كانت المسألة فوضى لا نظام لها ولا رابط . وها هو ذا الشيخ طاهر الجزائري في كتابه التبيان بيّن قيود الاختيار حيث يقول : « الاختيار عند القوم أن يعمد من كان أهلا له إلى القراءات
هامش
( 1 ) طبقات القراء : 442 .
( 2 ) المصدر السابق : 1 / 292 .
( 3 ) المصدر السابق : 1 / 38 .
( 4 ) انظر طبقات القراء : 1 / 320 .
( 5 ) الحجة للفارسي : 1 / 376 .