3 - أدلّة من التّاريخ والنّقل
فأولا : إن رجع الاختلاف إلى خاصية الخط العربي ، وإغفاله من النقط والشكل خطأ في الرأي ، وباطل في التوجيه :
ألم ترو الروايات وتتداول قبل تدوين المصاحف ؟ .
ثم ألم ترهم كيف كانوا يتحرون ويتثبتون ؟ .
أو لم يكن القرآن محفوظا في الصدور قبل جمع القرآن ؟
بلى ! فلم يكن اختلاف القراءات بين قرّاء الأمصار راجعا إلى رسم المصحف ؛ فهو يرجع إلى أن الجهات التي وجهت إليها المصاحف كان بها من الصحابة من حمل عنه أهل تلك الجهة ، وكانت المصاحف خالية من النقط والشكل ، فاحتملت ما صح نقله ، وثبتت تلاوته عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، إذ كان الاعتماد على الحفظ لا على مجرد الخط ، فثبت أهل كل ناحية على ما كانوا تلقوه سماعا عن الصحابة بشرط موافقة الخط ، وتركوا ما يخالف الخط امتثالا لأمر عثمان الذي وافقه عليه الصحابة ، لما رأوا في ذلك من الاحتياط في القرآن .
وثانيا : يظهر أن هؤلاء أجروا القرآن الكريم مجرى ما وقع فيه التصحيف من كلام العرب شعرا أو نثرا : فقد صحّف الفيض بن عبد الحميد في حلقة يونس ، إذ أنشد بيت ذي الإصبع :
عذير الحي من عدوا * ن كانوا حيّة الأرض
فقال الفيض : كانوا جنّة الأرض ، بالجيم والنون « 1 » . . .
وحدّث قاسم بن أصبغ قال : « لما رحلت إلى المشرق نزلت القيروان فأخذت عن بكر بن حماد ، فقرأت عليه يوما حديث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قدم عليه قوم من مضر مجتابى النمار فقال : « إنما هو مجتابى الثمار » فقلت : « إنما هو مجتابى النمار هكذا قرأته على كل من لقيته بالأندلس والعراق » :
هامش
( 1 ) التصحيف للعسكرى : ص 13 وما بعدها .