أقوال شاذة
وهناك روايات وأقوال شاذة - بإزاء هذا المشهور - نذكر نموذجا منها ، فقد روى البخاري أن من جمع القرآن على عهد رسول اللّه ( أربعة من الأنصار : أبيّ بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد . قال قتادة : من أبو زيد ؟ قال أحد عمومتي ) وأيضا روى أنه ( مات النبي ولم يجمع القرآن غير أربعة : أبو الدرداء ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد ) .
ومن الواضح أن الرواية في حصرها الجمع في خصوص الأنصار دون غيرهم من المهاجرين تريد حصر هذه الفضيلة بهم ، ومن المستبعد جدا أن يهمل المهاجرون هذه المسؤولية من جانبهم ، ثم كيف ينحصر الاهتمام بالجمع بهذا العدد الضئيل مع العلم أن عدد المسلمين المهاجرين كان قبل هجرة الحبشة أكثر من الثمانين وقد ازداد بعد ذلك بكثير ، لذلك يمكن توجيه هذه الرواية بما يأتي :
أولا : ما ذهب إليه المحدثون من أن المراد من الجمع هو خصوص الحفظ عن ظهر القلب .
ثانيا : أن مراد الراوي خصوص الجامعين من الأنصار ، وليس يقصد الاستقصاء لكل من جمع القرآن .
ثالثا : أن الجمع إنما هو بمعنى الكتابة .
ومن الروايات الشاذة ، في كيفية جمع الإمام علي عليه السّلام ، فقد روى السجستاني أنه لما توفي النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أقسم علي أن لا يرتدي الرداء إلا لجمعة حتى يجمع القرآن في مصحف ففعل ، فأرسل إليه أبو بكر بعد أيام كرهت إمارتي يا أبا الحسن ؟ قال : لا واللّه إلا أني أقسمت أن لا أرتدي الرداء إلا لجمعة فبايعه ثم رجع [ المصاحف ص 10 ] وهذه الرواية بوضوح تريد أن تعلل أمر الخلافة سياسيا ولا تفيد أي تحليل لأسلوب الجمع أو كيفية الجمع .
فلا بد من دراسة دور كل من النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والخلفاء الثلاثة في جمع القرآن .
موقف الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم
لقد كان الرسول القائد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أحرص الناس على حفظ القرآن وسلامته وتبليغه إلى الناس كافة ، كما يشير إليه قوله تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
[ الحجر : 9 ] ، وسيرته منذ البعثة حتى الوفاة ، تدل على ذلك . فلم تحل مناسبة إلا واكد على تعلم القرآن وتعليمه لمن حضر من أصحابه ، وتعهدهم على ذلك وقد بعث كثيرا منهم لتعليم القرآن