عليهم أولئك لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون » . [ الاتقان 2 / 26 وراجع الدر المنثور 1 / 105 و 106 ] .
وفي محاولة لتوجيه هذه الروايات المتضاربة قام العلماء بتصنيفها في الناسخ والمنسوخ . وأقدم وأوفى من صنفها كذلك هو هبة اللّه بن سلامة ( ت 410 ه ) في رسالة مفردة قال ما لفظه : « والمنسوخ في كتاب اللّه عزّ وجلّ على ثلاثة أضرب ، فمنه ما نسخ خطه وحكمه ، ومنه ما نسخ خطه وبقي حكمه ومنه ما نسخ حكمة وبقي خطه .
فأما ما نسخ حكمه وخطه فمثل ما روي عن أنس بن مالك رضى اللّه عنه أنه قال : كنا نقرأ على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم سورة تعدلها سورة التوبة ما أحفظ منها غير آية واحدة « ولو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى إليهما ثالثا ولو أن له ثالثا لابتغى إليها رابعا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب اللّه على من تاب . وروى عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه أنه قال أقرأني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم آية فحفظتها وكتبتها في مصحفي فلما كان الليل رجعت إلى مضجعي فلم ارجع منها بشيء وغدوت على مصحفي فإذا الورقة بيضاء فأخبرت النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقال لي :
يا ابن مسعود تلك رفعت البارحة .
وأما ما نسخ خطه وبقي حكمه فمثل ما روي عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أنه قال :
لولا أكره أن يقول الناس قد زاد في القرآن ما ليس فيه لكتبت آية الرجم وأثبتها فو اللّه لقد قرأناها على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « لا ترغبوا عن آبائكم فإن ذلك كفر بكم ، الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من اللّه واللّه عزيز حكيم » فهذا منسوخ الخط ثابت الحكم .
وأما ما نسخ حكمه وبقي خطه فهو في ثلاث وستين سورة مثل الصلاة إلى بيت المقدس والصيام الأول والصفح عن المشركين والإعراض عن الجاهلين ، قال أبو القاسم فأول ما نبدأ به من ذلك تسمية السور التي لم يدخلها ناسخ ولا منسوخ وهي ثلاث وأربعون سورة واللّه أعلم [ الناسخ والمنسوخ لابن سلامة هامش أسباب النزول للواحدي ط 6 ] .
نسخ التلاوة
: واستعرض سيدنا الأستاذ دام ظله روايات النسخ هذه ثم اعقبها بقوله : « وغير خفي أن القول بنسخ التلاوة هو القول بالتحريف والاسقاط وبيان ذلك : أن نسخ التلاوة هذا إما أن يكون قد وقع من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وإما أن يكون ممن تصدّى للزعامة من بعده ، فإن أراد القائلون بالنسخ وقوعه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فهو أمر يحتاج إلى الاثبات وقد اتفق العلماء