كما أن دلالة « آثر » في القرآن الكريم أقرب إلى الذهنيات منها إلى المحسوسات ، أو هي اختيار بعد اختيار ، يقول أبو هلال العسكري :
« الفرق بين الاختيار والإيثار أن الإيثار على ما قيل هو الاختيار المقدّم » « 1 » .
ونقدم شاهدا يبين الفرق بين استعمال اليأس والقنوط في سياق القرآن الكريم ، قال عز وجل :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ
[ الممتحنة : 13 ] ، وقال تبارك وتعالى :
* قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ
[ الزمر : 53 ] ، وقال تعالى :
وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ
[ الحجر : 56 ] .
فالواضح أن سياق الآيات يبين تخصيص إسناد اليأس إلى الكفار ، مما يوحي بأن اليأس أعم من القنوط ، وهكذا تحول يأس الكفار من أصحاب القبور إلى مثل يضرب للاستحالة ، هذا المثل يشير إلى مقدار ما بلغ في نفوس الكفرة من إنكار البعث ، كما يوحي بأن اليأس أعم من القنوط لتحوله مثلا ، لكن سياق آيات القنوط يشير إلى تخصيصه باليأس من الرحمة ، فالقنوط أخص من اليأس ، وحينئذ لا يكون أقل منه شدة « 2 » .
ويمكن أن ننظر في الآية الكريمة :
وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ
[ هود : 44 ] ، لنرى تمكن الاستواء من السياق « فالاستواء يدل على الاستقرار أو الرسوّ
هامش
( 1 ) الفروق في اللغة ، ص 101 .
( 2 ) انظر : الفروق اللغوية وأثرها في تفسير القرآن العظيم للشايع ، ص 278 ، وراجع جهوده إذ قدم للفروق القرآنية أربعة عشر مثلا مثل السبيل والطريق ، والخوف والخشية ، والقعود والجلوس ، مستفيدا من تفسير الفخر الرازي والزمخشري والراغب وأبي هلال .