الفعل للعاقبة ، ولكن سرعة النطق تومئ بسرعة الحدث ، وقد ذكر المطر في القرآن على سبيل الاستعارة الموحية بالسرعة والعنف
فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ
[ الأنفال : 32 ] .
وفي كلامه عز من قائل على نعمته في الأرض ، قال عز وجل يدل البشر على سنّته في الكون في ترعرع النبات :
وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ
[ الشورى : 28 ] ، لأن النبات يتطلب رحمته تعالى التي تتجلّى في الماء الخفيف فينتعش ، ولذلك لم يذكر المطر الذي يغرقه .
ومن هذا القبيل الفرق بين الجوع والسّغب ، يقول عزّ شأنه :
فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ
[ النحل : 112 ] ، فتطلّبت الإهانة والتهديد أقسى حاجة إلى الطعام ، إنه الجوع ولعله يرمز إلى حاجة كل من الحيوان والإنسان ، فحقّ لهذه الكلمة أن تذكر في أصحاب النار ذوي الطبع الحيواني ، إذ يكون الجوع غاية الحاجة الفيزيولوجية .
وليس الجوع كالسّغب الذي اختير في سياق الرحمة ، وبعث همة المؤمنين لمساعدة الآخرين المعوزين ، خصوصا إذا كانوا يتامى ، قال تعالى :
أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ( 14 ) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ
[ البلد : 14 - 15 ] .
ولا يبدو لنا الجاحظ متناقضا ، فهو يؤكد ذوبان طرفي الصياغة والتحامها : المفردة والنظم ، ويرى أن في المفردة محاسن تضاف إلى محاسن النظم ، فهي الوحدة المشكّلة له ، ولا نظم من غير مفردات ، وما دامت موجودة ، فينبغي تقدير إسهامها الجمالي الجزئي في الجمال الكلي .
لقد نبه الجاحظ على جمالية أخرى للمفردة لا تتعلق أيضا بالدال والمدلول ، فهو يقول مفرقا بين ثلاثة مستويات من اللغة : بين المبتذل المأنوس والوحشي من الألفاظ : « وكما لا ينبغي أن يكون اللفظ عاميا