فثمة إقرار بجمال المفردة حين تدخل السياق ، ولا نحبذ سرد آراء سائر دارسي الإعجاز ، فقد لحظوا في انتقاء القرآن ما أدهشهم ، ويكفينا اتخاذ نماذج حول هذه الثنائية : المفردة والنظم ، لأن الكثير كانوا على منهج الخطابي ، إذ يكون القول الأساسي بالنظم ، ومن ثمّ نتلمس إمعانا جيدا في المفردة من غير أن ينكروا النظم ، وهو المنهج الحق ، إذ لا بد للنظم من شيء ينظمه .
ولا بأس أن نعرض للباقلاني الذي يوحّد بين المفردة والنظم ، وإن كان يبهم العبارة أحيانا ، فهو يقول بالنظم متأثرا بالجاحظ في أن الكلمات عادية ، وأن الإعجاز يكون في سباكة هذه الكلمات وصياغتها وفي أواصرها ، وذلك على اختلاف المصطلح بين ربط ونظام .
وقد جاء في كتابه عن اختيار الكلمة في النص القرآني : « هو أدقّ من السحر ، وأهول من البحر ، وأعجب من الشعر ، وكيف لا يكون ذلك ، وأنت تحسب أن وضع الصبح موضع « الفجر » يحسن في كل كلام ، إلا أن يكون شعرا أو سجعا ، وليس كذلك ، فإن إحدى اللفظتين قد تنفر في موضع ، وتزلّ عن مكان لا تزلّ عنه اللفظة الأخرى ، بل قد تتمكن فيه » « 1 » .
ولا يمكن أن نستشف منه رأيا في تأكيد أهمية المفردة ، فهو لا يسير على وتيرة واحدة ، إذ لا يقدم شواهد بشكل مباشر وفي المكان نفسه ، لأنه ينشغل بأمور أخرى كالتعميم أو الالتفات إلى الشعر العربي .
ويظل مفهوم المفردة مبهما عندما نقرأ في كتابه إعجابه بقوله تعالى :
فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
[ الأنعام : 96 ] ، إذ يقول : « انظر إلى هذه الكلمات الأربع التي
هامش
( 1 ) إعجاز القرآن ، الباقلاني ، ص 184 .