المعنى بالهمزة ، لأنها أقوى من الهاء وهذا المعنى أعظم في النفوس من الهز ، لأنك قد تهزّ ما لا بال له كالجذع وساق الشجرة ونحو ذلك » « 1 » .
والهمزة والهاء حرفان حلقيان ، ولاختلاف مكان كل منهما في مدرج الحلق كانت الهمزة أقوى من الهاء ، أما من حيث الصفات ، فالهاء من حروف الهمس التي يجري النّفس في المخرج لدى النطق ، أما الهمزة فهي من حروف الشدة التي ينحبس النفس في المخرج عند النطق بها .
ونراه يستنطق الطبيعة ليفسّر الفرق بين دلالتي النّضح والنّضخ ، فيذكر الآية الكريمة :
فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ
[ الرحمن : 66 ] ، مؤكدا دلالة الخاء وأثرها في تصوير العنف والكثرة ، يقول : « النضح للماء ونحوه ، والنضح أقوى من النضح ، فجعلوا الحاء لرقتها للماء الضعيف ، والخاء لغلظها لما هو أقوى » « 2 » .
والمهم أن ابن جني لا يعطي لنظرية المحاكاة كلية التفسير في نشأة اللغة ، فالمحاكاة عند تشمل قسما معيّنا من مفردات اللغة ، فهذه الدلالة الصوتية تمثل بعضا من كل ، وهي كما رئي في العصر الحديث ، فلا إنكار ولا تعميم ، إذ نجد العالم اللغوي « يسبرسن » يقدم نظرية المحاكاة مع نظرات أخرى مخالفة ، وكذلك سار الدكتور علي عبد الواحد وافي والدكتور صبحي الصالح الدكتور إبراهيم أنيس على خطا ابن جني .
إذن لم تكن هذه الأصوات في معتقد ابن جني مصوّرة تمام التصوير للمعنى ، بل هي تقوم بعامل الملاءمة ، وتساعد على التصوير ، وذلك يبدو لنا جليا من اختياره لتعريف الباب بالمصاقبة ، أي المقاربة أو المجاورة ، وكذلك يعرف الباب الثاني بالإمساس ، ولا يقول بالمطابقة
هامش
( 1 ) الخصائص : 2 / 146 .
( 2 ) الخصائص : 2 / 158 .