فكأن وصوله إلى الهداية آخر الأمر يأتي بعد أخذ وردّ ، وكأن الذي ندب نفسه لهدايته يأخذ بيده جذبا إلى الغاية المرجوّة ، لكنه يحاول الإفلات منه ، فما يصل به إلى الغاية إلا بعد مشقة ، هذا ما يوحي به السكون الذي يسبق الحركة في التشديد ، وهو إيحاء من طريق الحكاية ، ومنه أيضا « ادّارأتم منها » « 1 » .
فأصل الفعل الأخير تدارأتم ، ثم قلبت التاء دالا فأدغمت في الدال الثانية ، والملحوظ أن هذا الإدغام يوحي بشدة التدافع والتخاصم ، وبلصوق الجسوم وتباعدها ، وحب دفع التهمة من الداخل واقتلاع الشكوك والمخاوف .
لقد كان يجدر بمن تناول هذه الجمالية ، وحكّم بعد المخارج في الألفاظ القرآنية وغيرها ، أن ينتبه إلى أن اللغة العربية المستعملة ، أو كما يقال « الكلام » العربي - وهو الجزء اليومي المستخدم والمنتزع من المخزون اللغوي الكلّي - كان يميل إلى الصّفاء ، والبعد عن الوعورة ، وهذا ما ورد على ألسنة فصحاء العرب ، فكيف إذا تأكدنا من أن كلمات القرآن الكريم انتقائية صوتية مهذّبة من لغات القبائل العربية ، وأكثرها من قريش ، فقد أخذ القرآن الكريم ما كان نافعا ، ونبذ ما كان زبدا .
وعلم اللغة الحديث يؤكّد أنّ اللغات جميعها ، قلّما تشتمل على أصوات متنافرة ، يقول الدكتور إبراهيم أنيس : « إن اللغات في أحدث صورها تكاد تخلو من المجموعات الصوتية المتنافرة التي تتعثّر في نطقها الألسنة ، مثل الكلمات التي يصفها علماء البلاغة بتنافر الحروف مجتمعة كالهخع ومستشزرات » « 2 » .
ثم ما الذي يدعونا إلى تصور قلب كلمة علم وعذب إلى العكس لنجد
هامش
( 1 ) البيان في روائع القرآن ، د . تمام حسان ، ص / 287 - 288 .
( 2 ) دلالة الألفاظ : ص / 32 .