وبعض أهل الذوق من المتصوفة لها ، بالمرتبة السفلى والحضيض الأوهد في نظر الناس » « 1 » .
ومن الحيف أن نقبل بهذا التفسير النائي عن الحقيقة ، ونرد عليه بأن المعجم يثبت أن الجرس لغة : صوت النحل وهو يرعى الزهور للتعسيل ، لذلك لم يستعمله القدامى ، واستعملوا كلمات الليونة والفخامة ، ويقول المعجم أيضا : « سمعت جرس الطير يعني سمعت صوت مناقيرها على شيء تأكله » « 2 » .
ولعل هذا ما نفّرهم من استعماله ، فقد رأى دارسو الإعجاز خاصة أنها لا تليق بدراسة القرآن ، والجرس هو الصوت الخفي ، أما الفصاحة فهي الخلوص كما فسّرها البلاغيون ، فالجرس لا يعني الفصاحة التي هي بيان ، فقد يكون الجرس جميلا أو قبيحا . ولا علاقة له بالفصاحة ، فتفسير المجذوب بعيد عن الحقيقة الفنية .
أخيرا نقول إن جهود القدامى على إجمالها جديرة بالاهتمام ، فنحن لا نطالبهم بما قدّمه عصرنا من فنون وثقافات ، فلهم زمانهم ولنا زماننا ، وإن الموسيقا القرآنية ذات مغزى ، وهي جزء من الشكل الفني للقرآن إلى جانب الصورة البصرية وغيرها ، وعلينا أن نهتدي بهدي القرآن الذي حثنا على تذوق موسيقاه ، وما تبع هذا من السّنّة الشريفة ، والفنون التي كشفت هذه المزايا الرفيعة ، التي شهد لها المؤمنون والمشركون بالمرتبة العليا كما مرّ بنا .
وقد مهدنا بهذه الفقرة السبيل إلى الفصل الثالث ، إذ نعد ما ذكرناه هنا نافذة على فقرات هذا الفصل ، وقد أكدنا الطابع الموسيقى للقرآن الكريم ، ودعوة القرآن الكريم والسنة الشريفة إلى استيعاب أنغام هذه
هامش
( 1 ) المرشد لفهم أشعار العرب ، د . عبد اللّه الطيب المجذوب : 2 / 3 .
( 2 ) المعجم الوسيط : 1 / 117 .