وقافية وصدر وعجز ، والمتعة في الآية كلّها ، وقد بدأ بالفاصلة لشدّة ظهورها ، ومن ثمّ عاد إلى نسق الكلمات داخل الآية ، فلا خلل حتى الوصول إلى إشباع هذا الإيقاع بالفاصلة ، وكلمة « مغدق » تشير إلى كثرة المياه ، ولذلك اتصلت بالكرم ، فقالوا : أغدق عليه ، أي أكثر العطاء ، وهاهنا تدل على سلاسة النطق ، ولين الحروف ، وهذا أيضا في « طلاوة » التي تنمّ عن اللّيونة لا الخشونة ، والقرآن لم ينزع إلى غريب وحشي ، فقد نبذ ما هو سوقي ومستثقل ، ووثّق للأمة العربية ما هو رفيع سام ، وكأنّ « الطلاوة » ذلك التأنّق الفائق الحسن .
ولم ينس الوليد جزالة القرآن وفخامته ، فهو « يحطم ما تحته » ، والعبارة هنا تشير إلى مناسبة الكلمات للمواقف ، فهي شديدة في موقف مثل قوله تعالى :
إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ
[ البروج : 12 ] ، ولينة في مواقف الرحمة والعطف ، والانسجام متحقق في الطرفين ، فمن دواعي الشدة والوعيد وجود الطاء والشين ، والوقوف على الدال وتكريرها ، وسكون الطاء ، ومثل هذا كثير .
لقد اعترف بموضوعية خالصة بتفوق القرآن على الشعر ، يقول البيومي عن سبب مقارنة القرآن بالشعر هنا : « وإنما تحدث الوليد عن الشعر دون النثر ، مع ما كان في قريش من فرسان الخطباء ، لأنه بداهة دون الشعر تأثيرا ، وعمق نفاذ ، وأن سطوة البيان القرآني قد فاقت سطوة الشعر المأثور ، فأحرى بها أن تفوق الأقوال من خطب ومنافرات وأمثال » « 1 » .
وكان الطفيل بن عمرو الدوسي ( - 11 ه ) رضي اللّه عنه قبل أن يسلم شاعرا نبيلا وشريفا في قومه فقال عند سماعه القرآن الكريم : « واللّه ما سمعت قط قولا أحسن من هذا ولا أمرا أعدل منه فأسلمت » « 2 » .
هامش
( 1 ) البيان القرآني ، د . محمد رجب البيومي ، ص / 13 .
( 2 ) السيرة الحلبية ، علي بن برهان الدين الحلبي : 1 / 364 .