الأذهان ما دام المرء على وجه البسيطة ، وكذلك البحر في هوله وضخامته ، والرماد في خفته وتطايره .
وقيمة الجماد أي المشبه به لا تتسم بالمباشرة والابتذال ، وذلك لما يضفي البيان القرآني على هذه الكائنات المنتزعة من الطبيعة من معان سامية وجمال فني أخاذ ، فضلا عن السياق الذي يبعد الكلمة عن حيّزها المعجمي ويطلق لها إشعاعات خاصة .
ولربما أعيد هنا ما ذكر في فقرة التجسيم ، وذلك لأن التجسيم يقوم على استخدام عناصر الطبيعة ، وعلى تغيير حال المفردة ، فنحن هنا مع الصورة ، أي مع جناحها الحسي ، ذلك الغلاف المحيط الذي نهلت منه صور القرآن الكريم .
ونبدأ بقوله عز وجل في الآية :
وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ
[ إبراهيم : 43 ] ، وهاهنا صورة كونية هائلة ، حيث الفراغ بكل ما يوحي من رعب ومجاهيل ، والصورة مؤثرة من خلال التركيب في التشبيه البليغ إذ حذفت الأداة ووجه الشبه ، فيشعر المتلقي بتلاحم طرفي الصورة ، ثم يمتد خياله واسعا بحذف وجه الشبه ، هذا الفراغ يوحي بالجهل ومعارضة العمران وهي حال الكفرة في كل زمان ، يقول ابن قتيبة معللا ومفسرا : « يريد أنها لا تعي خيرا ، لأن المكان إذا كان خاليا فهو هواء ، حتى يشغله الشيء » « 1 » .
وتفيد من نظرته أن رد الكلمة إلى الحيز المعجمي يترك فسحة للقارئ تتجلى فيها الظلال النفسية ، فنفهم منه تجميد هذه الأفئدة وضياعها إذ صارت هواء لا يستقر ، ولا يتخذ جهة محدودة ، إذا فسرنا الكلمة بالهواء
هامش
( 1 ) تأويل مشكل القرآن ، ص / 150 .