نسوق بعض الآراء هنا وهناك مما يوافق نهج ما نسير عليه متأسين جهود السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان في هذا العصر ، وجلّ هذا الكتاب الأعظم أن يحصر في قوالب نقد قد تولّد نتيجة معايشة عميقة لنتاج الفن الأدبي البشري الذي لا يركن عادة لقوانين النقد ، بل الأسبقية في وضع المعايير الفنية للنتاج الفني نفسه ، كما هو معروف في تاريخ الآداب .
ب - الحرفية والانحرافية :
من المسلّم به أن المفردة في الحيز الأدبي كائن متميز من المفردة المعجمية ، إذ يحمّلها الأديب الكثير من طاقته الشعورية وخصوصية موقفه ونظرته إلى الحياة ورؤاه الخاصة ، فهي في الأدب تلبس لبوسا فريدا مع شحنة روحية ، مما يجعلها تتجاوز كونها أصوات مادة معجمية حرفية ، فثمة انتقال من الدلالة المركزية إلى الدلائل الهامشية الموحية .
فالكلمة الأدبية ذات حافة بعيدة ترسم وتشخّص وتجسّم حالة شعورية ، فتتسع دلالتها الإشارية الضيقة ، وتحمل دلالة أخرى في الاتساع في حال الانحراف ، ولهذا يسعى الأديب إلى الانتقاء مدركا أن الدلالة المعجمية لا تكفيه وأن الحقائق أكبر من اللغة .
وهذه « اللفظة المختارة تتعدّى الدلالة الأولى أو الدلالة الذاتية إلى الدلالة الحافة ، فإذا كانت اللسانيات قد أقرّت أن لكل دال مدلوله ، فإن الأدب يخرق هذا القانون ، فيجعل للدال إمكانية تعدد مداليله ، وهو ما عبر عنه الأسلوبيون بمصطلح الاتساع » « 1 » .
ولا تقف المفردة الأدبية في حياة المعجم وحرفيته ، فإن غزت موضوعها واستوعبته تملّكته ، فكانت آية في الجمال والإقناع ، وإن
هامش
( 1 ) أثر اللسانيات في النقد العربي الحديث ، د . توفيق الزيدي ، ص 87 ، وانظر :
الصورة الشعرية في النقد العربي الحديث ، د . بشرى الصالح ، ص 82 .