قال أبو عبيدة معمر بن المثنى : « ومن المجاز ما جاء في لفظ خبر الحيوان والموات على لفظ خبر الناس » « 1 » ، والمجاز عنده كل ما يجوز في اللغة من حذف وإيجاز وإسناد وتشبيه واستعارة ، واستشهد بالآية :
إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا
[ الإسراء : 36 ] ، والآية :
رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ
[ يوسف : 4 ] .
فالذي اعتمده أبو عبيدة في رأيه كون اختصاص « أولئك » بالإنسان ونقلها إلى الجماد ، كذلك « السجود » المظهر التعبدي الخاص بالإنسان ، ولكن نقول لا مانع من الأخذ بالحقيقة وذلك لاتصاف هذه الكائنات بالطواعية والإذعان ، أما سجود الكواكب فإنه خاص بها وليس يعني وضع الجبهة على الأرض كما في سجودها ، فهو سجود ذو ماهية خاصة ، وهو مستمر من غير أن نشعر به ، وهو كتسبيح الحصى في يد الشريفة عليه الصلاة والسلام ، إذ كشف له هنيهة ثم غاب .
ومنه الشهادة ، وهي فعل جسدي نفسي معا ، لأنها عبارة عن إضمار المعنى في النفس قبل القول باللسان ، وهي تسند إلى الأسماع والأبصار والجلود ، فتكون ناطقة بحسب الخلق الجديد يوم القيامة ، قال عز وجل :
حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
[ فصلت : 20 ] ، والمشهد عجيب ، إذ ينطق من كل جسد بشري أربعة ، الإنسان والأعضاء الثلاثة .
ومنه أيضا الآية الكريمة :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
[ فصلت : 11 ] ، يرد ابن قتيبة هذا القول إلى الحقيقة لتوضيح المعنى « 2 » ، لأن الطاعة في نظره قاصرة على العقل
هامش
( 1 ) مجاز القرآن ، ص 10 ، وانظر : معاني القرآن للفراء : 1 / 62 ، والكشاف :
2 / 633 ، والبحر المحيط .
( 2 ) انظر تأويل مشكل القرآن ، ص 78 .