الحس الآسر ، لذلك نعبر عن المجرد في المجسّم ، ونصور غير المألوف بوساطة المألوف ، ونعبر عن غير الحسي بحدود حسية » « 1 » .
والمشوب بلغة خيالية أدعى للفاعلية وأكثر حركة وتأثيرا في المتلقي كما هو بدهي منذ النقد القديم ، يقول ابن سينا ( - 428 ه ) : « وإذا كانت محاكاة الشيء بغيره تحرك النفس وهو كاذب ، فلا عجب أن تكون صفة الشيء على ما هو عليه تحرك النفس وهو صادق بل ذلك أوجب ، لكن الناس أطوع للتخييل منهم للتصديق . . والتخييل إذعان والتصديق إذعان ، ولكن التخييل إذعان للتعجب والالتذاذ بنفس القول » « 2 » .
وليس الجمال مرتبطا بالحسية الخالصة ، وهذا على أية حال ممتنع في فن الأدب لكونه فنا أقرب إلى التجريد ، وهكذا يمزج التجسيم الروحي بالحسي ، وما دامت المادة المحسوسة وليدة الخيال ، فإنها تتسم بالإيحاء ، ولا تقدم نفسها جافة ، ذلك لأن الوضوح البصري ليس المطلب الأخير ، بل هو قنطرة تصل بين عالمين روحيين عالم المبدع وعالم المتلقي .
يقول الدكتور مصطفى ناصف : « إن الاستعارة ليست غايتها الوضوح البصري أو الحسي الدقيق ، وبلاغة الاستعارة ليست رهينة بكونها صورة ذات صفات حية ، وإنما مرجعها أن الصورة ذات الصفات الحسية تعبير عن تمثل خيالي » « 3 » .
والتجسيم في القرآن الكريم كثير إذ تطلبته المواقف الفكرية والمناهج الفنية ، وقد تلمسه الدارسون القدامى ، ثم عرض له المعاصرون بإسهاب ، وبينوا أن كثيرا من المهام قد أنيطت به .
هامش
( 1 ) الصورة الأدبية ، د . مصطفى ناصف ، ص 129 .
( 2 ) الشفاء من كتاب فن الشعر لأرسطو ، ص 161 - 162 .
( 3 ) الصورة الأدبية ، د . مصطفى ناصف ، ص 138 .