أسماعهم وقلوبهم ، وأسرت نفوسهم مؤمنين ومشركين ، غير أنه كان ينتظر من باحث مطلع على البلاغة ، وفي عصور متأخرة ، تبيان العناصر التي تحرك المشاعر ، وإن كان تبيانه لا يخرج عن نمط عصره المتأخر ذوقيا ، فلا شك أن الوليد بن المغيرة كان بصيرا باللغة العربية ، متفهما بالفطرة والتجربة لجماليات اللغة ، وكان ما قاله هو وأضرابه من أقوال نقدية مختزلة مفهوما لدى سامعيه .
أما ما يذكره ابن القيم فلا يناسب عصره ناهيك عن عصرنا ، الذي تميل فيه الدراسات إلى الموضوعية لا الذاتية ، وتبعا لهذا لا نأخذ بالفردي والعارض في أثر القرآن الكريم في النفوس لتقبله لونا من ألوان الإعجاز ، إذ لم يطرد ما يقال عن الأثر النفسي .
ولم يكتف بهذا المقدار ، بل أورد روايات عن الأثر النفسي ، يكاد يرفضها دارسو العربية وبلاغتها القرآنية دراسة متعمقة ، يقول مثلا : « روي أن نصرانيا مرّ بقارئ ، فوقف يبكي ، فقيل له : مم بكاؤك ؟ قال : الشجا والنظم » « 1 » .
وكأن المقام مقام وعظ لا علم ، ولا شك أن مثل هذا جرى للمؤمنين وغيرهم ، إنما لا يعوّل عليه لكونه حالات فردية ، وإن كنا نفهم أن المقصود بالشجا تلك المعاني السامية التي تأخذ بيد البشر إلى الرقي والسعادة في العالمين ، وأنّ النظم هو الأساليب التي اشتملت على هذه الجواهر ، تلك المعجزة التي سبكت وفق نموذجها إنسانية الإنسان .
ويقول أيضا عن قوة أثره : « وأما من مات عند سماع تلاوة القرآن من المؤمنين ، وزال عقله ، وتدلّه من المحبين ، وراجع من المذنبين ، فكثير لا يمكن حصره » « 2 » .
هامش
( 1 ) الفوائد ، ص 249 .
( 2 ) الفوائد ، ص 250 ، تدلّه : تحير وذهب فؤاده .