820 - [ أبو حكيم وثمامة بن أشرس ]
وسمعت أبا حكيم الكيمائي وهو يقول لثمامة بن أشرس : قلنا لكم إنّنا ندلكم على الإكسير ، فاستثقلتم الغرم ، وأردتم الغنم بلا غرم . وقلنا لكم : دعونا نصنع هذه الجسور صنعة لا تنتقض أبدا ، فأبيتم . وقلنا لكم : ما ترجون من هذه المسنّيات [ 1 ] التي تهدمها المدود [ 2 ] ، وتخرّبها المراديّ [ 3 ] ؟ ! نحن نعمل لكم مسنّيات [ 1 ] بنصف هذه المئونة ، فتبقى لكم أبدا . ثم قولوا للمدود أن تجتهد جهدها ، وللمراديّ أن تبلغ غايتها فأبيتم . وقولوا لي : الذّباب ما ترجون منها ؟ ! وما تشتهون من البعوض ؟
وما رغبتكم في الجرجس [ 4 ] ؟ لم لا تدعوني أخرجها من بيوتكم بالمئونة اليسيرة ؟
وهو يقول هذا القول وأصحابنا يضحكون ، وابن سافري جالس يسمع .
فلما نزلنا أخذ بيده ومضى به إلى منزله ، فغدّاه وكساه وسقاه ، ثمّ قال له :
أحببت أن تخرج البعوض من داري . فأمّا الذّباب فإني أحتمله . قال : ولم تحتمل الأذى وقد أتاك اللّه بالفرج ؟ قال : فافعل . قال : لا بدّ لي من أن أخلط أدوية وأشتري أدوية قال : فكم تريد ؟ قال : أريد شيئا يسيرا . قال : وكم ذاك ؟ قال : خمسون دينارا .
قال : ويحك ! خمسون يقال لها يسير ؟ ! قال : أنت ليس تشتهي الرّاحة من قذر الذّبّان ولسع البعوض ! ثمّ لبس نعليه وقام على رجليه . فقال له : اقعد . قال : إن قعدت قبل أن آخذها ثمّ اشتريت دواء بمائة دينار لم تنتفع به ؛ فإنّي لست أدخّن هذه الدّخنة ، إلّا للذين إذا أمرتهم بإخراجهنّ أخرجوهن . ولا أكتمك ما أريد ؛ إنّي لست أقصد إلّا إلى العمّار [ 5 ] . فما هو إلّا أن سمع بذكر العمّار حتى ذهب عقله ، ودعا له بالكيس وذهب ليزن الدّنانير ، فقال له : لا تشقّ على نفسك ! هاتها بلا وزن عددا ، وإنّما خاف أن تحدث حادثة ، أو يقع شغل ، فتفوت . فعدّها وهو زمع [ 6 ] فغلط بعشرة دنانير ، فلما انصرف وزنها وعدّها فوجد دنانيره تنقص ، فبكر عليه يقتضيه الفضل ، فضحك أبو حكيم حتّى كاد يموت ، ثمّ قال : تسألني عن الفرع وقد استهلك الأصل ؟ ! ولم يزل يختلف إليه ويدافعه حتّى قال له ثمامة : ويلك أمجنون أنت ؟ ! قد ذهب المال
هامش
[ 1 ] المسنيات : جمع سانية وهي العرم ، والعرم هي الأحباس تبنى في الأودية . « القاموس : سني ، عرم » .
[ 2 ] المدود : السّيول .
[ 3 ] المرادي : جمع مردي كشرطي ، وهو خشبة تدفع بها السفينة « القاموس : مرد » .
[ 4 ] الجرجس : لغة في القرمص ؛ وهو البعوض الصغار حياة الحيوان 1 / 273 .
[ 5 ] عمّار البيوت : سكانها من الجن . ( اللسان : عمر 4 / 607 ) .
[ 6 ] الزمع : الدهش والخوف . « القاموس : زمع » .