لم يعفّ عن أموال جيرانكم ، ومنافع الكلب لا يحصيها الطّوامير « 1 » . والسّنّور مع ذلك يأكل الأوزاغ والعقارب ، والخنافيس ، وبنات وردان « 2 » ، والحيّات ، ودخّالات الآذان « 3 » والفأر والجرذان ، وكلّ خبيثة وكلّ ذات سمّ ، وكلّ شيء تعافه النفس . ثمّ قلتم في سؤر السّنّور وسؤر الكلب ما قلتم . ثمّ لم ترضوا به حتّى أضفتموه إلى نبيّكم صلى اللّه عليه وسلم ! !
356 - [ أطيب البهائم أفواها ]
ولا يشكّ الناس أن ليس في السباع أطيب أفواها من الكلاب « 4 » ، وكذلك كلّ إنسان سائل الريق سائل اللعاب . والخلوف « 5 » لا يعرض للمجانين الذين تسيل أفواههم . ومن كان لا يعتريه الخلوف فهو من البخر أبعد . وكما أنّ طول انطباق الفم يورث الخلوف . فكثرة تحلّب الأفواه بالريق تنفي الخلوف . وحتّى إنّ من سال فوه من اللعاب فإنّما قضوا له بالسلامة من فيه ، وإن استنكهوه مع أشباهه وجدوه طيّبا ، وإن كان لا يقرب سواكا على الريق . وكذلك يقال ، إن أطيب النّاس أفواها الزّنج ، وإن كانت لا تعرف سنونا « 6 » ولا سواكا .
على أنّ الكلب سبع ، وسباع الطير وذوات الأربع موصوفة بالبخر ، والذي يضرب به في ذلك المثل الأسد ، وقد ذكره الحكم بن عبدل في هجائه محمّد بن حسّان فقال : [ من الوافر ]
فنكهته كنكهة أخدريّ * شتيم شابك الأنياب ورد « 7 »
وقال بشّار : [ من الطويل ]
وأفسى من الظّربان في ليلة الكرى * وأخلف من صقر وإن كان قد طعم « 8 »
يهجو بها حماد عجرد .
هامش
( 1 ) الطوامير : جمع طومار ، وهو الصحيفة .
( 2 ) بنات وردان : دويبة تتولد في الأماكن الندية ، وهي تألف الحشوش ، أي النخل . حياة الحيوان 2 / 429 .
( 3 ) دخال الأذن : دويبة ذات قوائم كثيرة ، تسمى « أم أربعة وأربعين » .
( 4 ) رسائل الجاحظ 1 / 215 « فخر السودان على البيضان » .
( 5 ) الخلوف : تغير رائحة الفم .
( 6 ) السنون : ما يستاك به من دواء مؤلف لتقوية الأسنان وتطريتها .
( 7 ) البيت للحكم بن عبدل في الأغاني 2 / 413 ، والبرصان 107 .
( 8 ) ديوان بشار 4 / 193 .