320 - [ دلالة الخلق على الخالق ]
فليس لقدر الكلب والدّيك في أنفسهما وأثمانهما ومناظرهما ومحلّهما من صدور العامّة أسلفنا هذا الكلام ، وابتدأنا بهذا القول . ولسنا نقف على أثمانهما من الفضّة والذّهب ، ولا إلى أقدارهما عند الناس . وإنما نتنظّر « 1 » فيما وضع اللّه عزّ وجلّ فيهما من الدّلالة عليه ، وعلى إتقان صنعه ، وعلى عجيب تدبيره ، وعلى لطيف حكمته ، وفيما استخزنهما « 2 » من عجائب المعارف ، وأودعهما من غوامض الإحساس « 3 » ، وسخّر لهما من عظام المنافع والمرافق ، ودلّ بهما على أنّ الذي ألبسهما ذلك التّدبير ، وأودعهما تلك الحكم ، يجبّ أن يفكّر فيهما ؛ ويعتبر بهما ، ويسبّح اللّه عزّ وجلّ عندهما . فغشّى ظاهرهما بالبرهان ، وعمّ باطنهما بالحكم ، وهيّج على النظر فيهما والاعتبار بهما ؛ ليعلم كلّ ذي عقل أنّه لم يخلق الخلق سدى ؛ ولم يترك الصّور هملا ؛ وليعلموا أنّ اللّه عزّ وجلّ لم يدع شيئا غفلا « 4 » غير موسوم ، ونثرا غير منظوم ، وسدى غير محفوظ ؛ وأنّه لا يخطئه من عجيب تقديره ، ولا يعطله من حلي تدبيره ، ولا من زينة الحكم وجلال قدرة البرهان .
ثمّ عمّ ذلك بين الصّؤابة « 5 » والفراشة ، إلى الأفلاك السبعة وما دونها من الأقاليم السبعة .
321 - [ تأويل قوله تعالى : ويخلق ما لا تعلمون ]
وقد قال تعالى :
وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ
« 6 » . وقد يتّجه هذا الكلام في وجوه :
أحدها أن تكون هاهنا ضروب من الخلق لا يعلم بمكانهم كثير من الناس ، ولا بدّ أن يعرف ذلك الخلق معنى نفسه ، أو يعلمه صفوة جنود اللّه وملائكته ، أو تعرفه الأنبياء ، أو يعرفه بعض الناس ، لا يجوز إلّا ذلك . أو يكون اللّه عزّ وجلّ إنما عنى أنّه خلق أسبابا ، ووهب عللا ، وجعل ذلك رفدا لما يظهر لنا ونظاما .
وكان بعض المفسّرين يقول : من أراد أن يعرف معنى قوله :
وَيَخْلُقُ ما لا
هامش
( 1 ) التنظر : التأمل وإطالة التفكير .
( 2 ) استخزن : استودع .
( 3 ) الإحساس : جمع حس .
( 4 ) الغفل : ما ليس به سمة تميزه .
( 5 ) الصؤابة : بيضة القملة .
( 6 ) . 8 / النحل : 16 .