وأما قوله : وعقّ الولد ، فإنّ المرأة إذا صبّحتهم الخيل ، ونادى الرجال يا صباحاه ! ذهلت عن ولدها ، وشغلها الرّعب عن كلّ شيء « 1 » . فجعل تركها احتمال ولدها والعطف عليه في تلك الحالة ، عقوقا منها ، وهو قولهم : نزلت بهم أمور لا ينادى وليدها « 2 » ، وإنّما استعاروا هذه الكلمة فصيّروها في هذا الموضع من هذا المكان .
وقد ذكر ذلك مزرّد بن ضرار وغيره ، فقال : [ من الطويل ]
تبرّأت من شتم الرجال بتوبة * إلى اللّه مني لا ينادى وليدها « 3 »
وقال الآخر : [ من الطويل ]
ظهرتم على الأحرار من بعد ذلّة * وشقوة عيش لا ينادى وليدها
والذي يخرسه إفراط البرد ، وإلحاح المطر ، كما قال الهذليّ : [ من البسيط ]
وليلة يصطلي بالفرث جازرها * يختص بالنّقرى المثرين داعيها « 4 »
لا ينبح الكلب فيها غير واحدة * من الصّقيع ، ولا تسري أفاعيها
وقال ابن هرمة : [ من الخفيف ]
واسأل الجار والمعصّب والأضيا * ف وهنا إذا تحيّوا لديّا « 5 »
كيف يلقونني إذا نبح الكل * ب وراء الكسور نبحا خفيّا
وقال آخر : [ من المتقارب ]
إذا عمي الكلب في ديمة * وأخرسه اللّه من غير صرّ « 6 »
هامش
( 1 ) انظر الحاشية السابقة .
( 2 ) في مجمع الأمثال 2 / 390 « هم في أمر لا ينادى وليده » ، وفي فصل المقال 471 ، وأمثال ابن سلام 342 « القوم في أمر لا ينادى وليده » ، وانظر الفاخر 280 ، والمستقصي 2 / 361 ، وجمهرة الأمثال 2 / 376 ، 407 . وفي المثل عدة أقوال منها : أن الصبيان إذا رأوا شيئا عجيبا تحشدوا له ، مثل القراد والحاوي ، فلا ينادون ؛ ولكن يتركون يفرحون ، وقيل : معناه أمر عظيم لا ينادى فيه الصغار ، وإنما يدعى فيه الكهول والكبار . . .
( 3 ) ديوان مزرد بن ضرار 57 ، واللسان والتاج ( ولد ) ، وتهذيب اللغة 14 / 176 ، وبلا نسبة في مجمع الأمثال 2 / 390 .
( 4 ) البيتان لجنوب أفت عمر وذي الكلب في ديوان الهذليين 3 / 126 ، وشرح أشعار الهذليين 582 ، والمعاني الكبير 415 ، 1249 ، ومجموعة المعاني 190 ، ولريطة أخت عمرو في نوادر المخطوطات 2 / 242 ، ولأبي ذؤيب الهذلي في الحماسة البصرية 2 / 352 ، ولبعض هذيل في أمالي المرتضى 1 / 354 ، والبخلاء 215 ، ولعمرو بن الأهتم في ديوانه 101 ، والحماسة الشجرية 188 - 190 ، ولهبيرة بن أبي وهب في السيرة لابن هشام .
( 5 ) ديوان ابن هرمة 227 .
( 6 ) الديمة : مطر يدوم في سكون بلا رعد وبرق . الصر : البرد الشديد .