تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحديث في علوم القرآن والحديث — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
بعموم آيات نزلت على أسباب خاصة . قال ابن جرير : حدثني محمد بن أبي معشر ، أخبرنا أبو معشر نجيح ، سمعت سعيدا المقبري يذكر محمد بن كعب القرظي ، فقال سعيد : إن في بعض كتب اللّه : إن للّه عبادا ألسنتهم أحلى من العسل ، وقلوبهم أمرّ من الصبر لبسوا لباس مسوح الضأن من اللين يجترون الدنيا بالدّين . فقال محمد بن كعب القرظي : هذا في كتاب اللّه :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
[ سورة البقرة آية : 204 ] ، فقال سعيد : قد عرفت فيمن أنزلت ، فقال محمد بن كعب : إن الآية تنزل في الرجل ثم تكون عامة بعد . فإن قلت : فهذا ابن عباس لم يعتبر عموم قوله :
لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ
[ سورة آل عمران آية : 188 ] بل قصرها على ما أنزلت فيه من قصة أهل الكتاب ، قلت : أجيب عن ذلك بأنه لا يخفى عليه أن اللفظ أعم من السبب لكنه بيّن أن المراد باللفظ خاص ، ونظيره تفسير النبي صلّى اللّه عليه وسلم الظلم في قوله تعالى :
وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ
[ سورة الأنعام آية : 82 ] بالشّرك من قوله سبحانه :
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
[ سورة لقمان آية : 13 ] . مع فهم الصحابة العموم في كل ظلم . وقد ورد عن ابن عباس ما يدل على اعتبار العموم ، فإنه قال به في آية السرقة مع أنها نزلت في امرأة سرقت . قال ابن أبي حاتم : حدثنا عليّ بن الحسين ، نبأنا محمد بن أبي حماد ، حدثنا أبو ثميلة ابن عبد المؤمن ، عن نجدة الحنفي قال : سألت ابن عباس عن قوله تعالى :
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما
[ سورة المائدة آية : 38 ] أخاص أم عام ؟ قال : بل عام . وقال ابن تيمية : قد يجيء كثيرا من هذا الباب قولهم : هذه الآية نزلت في كذا لا سيما إن كان المذكور شخصا ، كقولهم : إن آية الظهار نزلت في امرأة سلمة ابن صخر ، وإن آية الكلالة نزلت في جابر بن عبد اللّه ، وإن قوله :
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ
[ سورة المائدة آية : 49 ] نزلت في بني قريظة والنضير ، ونظائر ذلك مما يذكرون أنه نزل في قوم من المشركين بمكة ، أو في قوم من اليهود والنصارى ، أو في قوم من المؤمنين ، فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أن حكم الآية يختص بأولئك الأعيان دون غيرهم ، فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الإطلاق ، والناس وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب هل يختص بسببه أم لا ؟ فلم يقل أحد إن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعيّن ، وإنما غاية ما يقال : إنها تخص بنوع ذلك الشخص فتعم ما يشبهه ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ ، والآية التي لها سبب معيّن إن كانت أمرا أو نهيا