وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ
[ سورة البقرة آية : 281 ] .
وأخرج أبو عبيد في الفضائل عن ابن شهاب قال آخر القرآن عهدا بالعرش : « آية الربا » ، و « آية الدين » .
قلت : ولا منافاة عندي بين هذه الروايات في آية الربا ، وآية
وَاتَّقُوا يَوْماً
، وآية الدّين ؛ لأن الظاهر أنها نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف ، ولأنها في قصة واحدة فأخبر كل عن بعض ما نزل بأنه آخر وذلك صحيح ، وقول البراء : آخر ما نزل :
يَسْتَفْتُونَكَ
أي في شأن الفرائض .
وفي المستدرك عن أبيّ بن كعب قال : آخر آية نزلت :
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ
إلى آخر السورة [ سورة التوبة آية : 128 ، 129 ] .
وأخرج مسلم عن ابن عباس قال : آخر سورة نزلت :
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
[ سورة النصر آية : 1 ] .
وأخرج الترمذي والحاكم عن عائشة قالت : آخر سورة نزلت « المائدة » فما وجدتم فيها من حلال فاستحلّوه . . . الحديث .
قال البيهقي : يجمع بين هذه الاختلافات إن صحت ، بأن كل واحد أجاب بما عنده .
وقال القاضي أبو بكر في الانتصار : هذه الأقوال ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وكلّ قاله بضرب من الاجتهاد وغلبة الظن ، ويحتمل أن كلّا منهم أخبر عن آخر ما سمعه من النبي صلّى اللّه عليه وسلم في اليوم الذي مات فيه أو قبل مرضه بقليل ، وغيره سمع منه بعد ذلك وإن لم يسمعه هو ، ويحتمل - أيضا - أن تنزل هذه الآية التي هي آخر آية تلاها الرسول صلّى اللّه عليه وسلم مع آيات نزلت معها ، فيؤمر برسم ما نزل معها بعد رسم تلك فيظن أنه آخر ما نزل في الترتيب .
تنبيه :
من المشكل على ما تقدم قوله تعالى :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
[ سورة المائدة آية : 3 ] .
فإنها نزلت بعرفة عام حجة الوداع وظاهرها إكمال جميع الفرائض والأحكام قبلها ، وقد صرح بذلك جماعة منهم السّدّي فقال : لم ينزل بعدها حلال ولا حرام مع أنّه ورد في آية الربا ، والدّين ، والكلالة أنها نزلت بعد ذلك . وقد استشكل ذلك ابن جرير وقال : الأولى أن يتأوّل على أنه أكمل لهم دينهم بإقرارهم بالبلد الحرام وإجلاء المشركين عنه حتى حجه المسلمون لا يخالطهم المشركون ثم أيّده بما أخرجه من