وقد عبر أنس رضى اللّه عنه عن الظن بالفعل ( نرى ) « 1 » .
وكما رواه أبو سعيد الخدري رضى اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم جلس ذات يوم على المنبر ، وجلسنا حوله فقال : ( إني مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها ) فقال رجل : يا رسول اللّه ! أو يأتي الخير بالشر ؟ فسكت النبي صلى اللّه عليه وسلم فقيل له : ما شأنك تكلم النبي صلى اللّه عليه وسلم ولا يكلمك ، فرأينا أنه ينزل عليه . قال : فمسح عنه الرحضاء فقال : ( أين السائل ) ، وكأنه حمده ، فقال : ( إنه لا يأتي الخير بالشر . . . ) الحديث « 2 » .
ومما يدل على رؤيتهم أو اعتيادهم لبعض العلامات الحسية المصاحبة لمجيء الملك : علامات الكرب المصاحبة للوحي كما سيأتي - إن شاء اللّه تعالى - « 3 » .
ومن هذه العلامات ما جاء عن عائشة - رضي اللّه تعالى عنها - أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما فرغ من الأحزاب دخل المغتسل ليغتسل ، فجاء جبريل عليه السلام فقال : أو قد وضعتم السلاح ؟ ، ما وضعنا أسلحتنا بعد . انهد إلى بني قريظة ، فقالت عائشة - رضي اللّه تعالى عنها - : كأني أنظر إلى جبريل عليه السلام من خلل الباب قد عصب رأسه من الغبار « 4 » ، وعن أنس ابن مالك رضى اللّه عنه قال : كأني أنظر إلى غبار ساطع في سكة بني غنم موكب جبريل « 5 » .
فالأذن المعتادة لا تسمع جبريل عليه السلام ، والعين المعتادة لا تراه ، وذلك لأنه يصل إلى مركز الإبصار ، ومركز السمع مباشرة . . . ولهذا قال صلى اللّه عليه وسلم : ( هذا جبريل جاء
هامش
( 1 ) وهو يدل على الظن حيث كانت القرينة ، كما قال تعالى :إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً" المعارج / 6 " ، وهم إنما يظنون ظنا بدليل قوله تعالى :وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ" الجاثية / 32 " .
( 2 ) صحيح البخاري 2 / 532 ، مرجع سابق ، وهو يدل على مجيء الوحي غير القرآني شديدا .
( 3 ) انظر : الفصل الثالث - المبحث الخامس .
( 4 ) مسند الإمام أحمد بن حنبل 131 / 6 ، مرجع سابق .
( 5 ) صحيح البخاري 3 / 1176 ، مرجع سابق .