2 - المقابلة :
من قولهم عارض الكتاب بالكتاب قابله به « 1 » ، ويشترط أن يكون ثمّ أصل مقابل عليه ، وفرع مقابل به ، فيظهر من ذلك أرقى ما يمكن أن يصل إليه التدقيق ، مما هو خارج عن نطاق البشر في مقابلة حفظ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على ما أمر جبريل عليه السلام بحفظه من ربه ، وأهم صفة ذاتية لجبريل عليه السلام عند نزوله من السماء أنه ما ينزله ربه سبحانه وتعالى إلا بالحق « 2 » .
3 - الظهور :
ففي مختار الصحاح : " عرض له كذا أي ظهر ، وعرضته له أظهرته له وأبرزته إليه " « 3 » . . . فإظهار القرآن ، وإبرازه من النبي صلى اللّه عليه وسلم لجبريل عليه السلام ، والعكس يعني إظهار ألفاظ القرآن لفظا لفظا من الشيخ لتلميذه ومن التلميذ على « 4 » شيخه ، ويؤكد هذا العرض الدقيق ما جاء في معنى مادة عرض : " عرض الجند إذا أمرهم عليه ونظر في حالهم " « 5 » ، وهذه غاية في الدقة في وصف تثبيت ألفاظ القرآن الكريم في قلب النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولا يرد على هذا التقرير احتمالية أن يكون ما كان يعرضه الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، أو ما كان يعض عليه هو معاني القرآن وأمور الشريعة ؛ إذ لو كان الأمر كذلك لقيل يعرض عليه الشريعة أو نحوها من العبارات ، ولا يخصص القرآن بالذكر .
فإن اعترض بأن : القرآن هو الشريعة كلها نصا أو تضمنا ، فعبر به في الحديث عنها ، فالمعروض هو أحكام الشرعية لا ألفاظ القرآن .
هامش
( 1 ) مختار الصحاح ص 270 ، مرجع سابق ، النهاية في غريب الأثر 3 / 133 ، مرجع سابق .
( 2 ) من قوله عزّ وجلما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ" الحجر / 8 " ، بل إن مجرد النزول لا يكون إلا بأمر من اللّه ، لقوله :وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ" مريم / 64 " ، وليس للملك الاجتهاد في إنشاء أمر ، أو تنفيذه كما في قوله عزّ وجلّ :لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ" الأنبياء / 27 " ، فالحق صفة ذاتية في النزول والنازل والمنزل به ، فلا مس من باطل يعتريه ، ولا اجتهاد من مخلوق يأتيه .
( 3 ) مختار الصحاح 178 ، مرجع سابق .
( 4 ) تضمن الفعل إظهار الطالب ما عنده معنى التصويب على ما عند الشيخ ، لذا عدي فعدي ب ( على ) .
( 5 ) لسان العرب 9 / 138 ، مرجع سابق .