ويشير قوله سبحانه وتعالى فيها
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا
" المزمل / 4 " « 1 » إلى أن القرآن بادئ بالنزول ، وهذه بداية إضافية لا حقيقة أوجب تقريرها الكثرة الكاثرة لما سينزل من الوحي بعدها مقارنة بما سبق . . . ولما كان جبريل عليه السلام هو المقرئ لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما ينزل من القرآن ، كما أنه الذي يعارضه به تعاهدا ، ومراجعة ، وتثبيتا ، فقد لزم أن يكون جبريل عليه السلام هو الذي يقرئه بالترتيل ابتداء ، وهو ما صرح به في قوله سبحانه وتعالى
. . . وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا
" الفرقان / 32 " .
ولا يرتضى القول بأن المراد بالترتيل في هذه الآية هو التفريق الزمني في الإنزال
لقرينة سياق الآية ، فأولها قوله سبحانه وتعالى
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً . . .
" الفرقان / 32 " ؛ لأن التأسيس أولى من التأكيد « 2 » ، وقد تقدم في سياق الآية التنبيه على تفريق القرآن زمنيا في إنزاله إلى الأرض من كلام الكفار مع إقرارهم على ذلك وبيان الحكمة منه ، فصارت نهاية الآية دالة على معنى آخر هو هيئة تلاوة القرآن ، على أن العرف الشرعي قاض بأن لفظة ( رتل ) مستعملة في هيئة أداء القرآن « 3 » لا في تنجيمه ، وقد تقرر في الأصول تقديم الحقيقة الشرعية والعرفية على اللغوية « 4 » ،
فتحرر من هذا أن جبريل عليه السلام كان يقرئ النبي صلى اللّه عليه وسلم القرآن بالترتيل . ويختم هذا بالقول :
إن سورة المزمل قد نعتت بدقة الطبيعة الذاتية للقرآن الكريم
قَوْلًا ثَقِيلًا
، وكيفية وصولها من السماء إلى الأرض
سَنُلْقِي
، ووسيلة الاستعانة على تلقيه
قُمِ اللَّيْلَ
،
هامش
( 1 ) والقول الثقيل هو القرآن كما تقرر عند أئمة التفسير ، انظر : التحرير والتنوير 29 / 260 ، مرجع سابق .
( 2 ) انظر مثلا في علم أصول الفقه : نثر الورود 1 / 225 ، مرجع سابق .
( 3 ) كما في قوله عزّ وجلوَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا" المزمل / 3 " ، وقول النبي صلى اللّه عليه وسلم ( . . . اقرأ وارق ورتل . . . ) ويأتي تخريجه بعد قليل في هذا الفصل .
( 4 ) انظر مثلا في علم أصول الفقه : نثر الورود 1 / 120 ، مرجع سابق ، المستصفى 1 / 341 ، مرجع سابق ، نهاية السول 2 / 145 ، مرجع سابق .