لأمته ، فهم مأمورون بالتلقي من أفواه المشايخ ، ولا يفلح من أخذ العلم أو القرآن من السطور ، بل التلقي له سر آخر " « 1 » ، وهذا أمر مقرر في أذهان المسلمين لم تمل دائرة تعليمهم عنه مثقال ذرة « 2 » ، وهذا ما يعطي تصورا عن مدى الواقعية الحقيقة قوله عزّ وجل
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
" الحجر / 9 " .
وثانيها : في التزام هذه الطريقة دفع لإيهام إلقاء الشيطان
في ما يتلقنه النبي صلى اللّه عليه وسلم ، من حيث واحدية الملك الملقن وعدم تغيره ، ومن حيث تعليمه تعليما تلقينيا ، لا تتطرق إليه شبهة الوسوسة ، وسيأتي مزيد تفصيل لذلك في فصل دمغ الباطل « 3 » .
وثالثها : شمول التوقيفية في أداء الوحي القرآني
، ومن ثم تبليغه وتناقله لأصل اللفظ ، ولهيئة أدائه .
رابعها :
بيان أولي لحجم الاجتهاد في نقل القرآن الكريم من حيث تظاهر جوانب التوقيف في النقل ، فبقي الاجتهاد محصورا فيما تتفاوت فيه قدرات البشر في الأداء مما هو خارج عن نطاق قدرتهم كالصوت ، أو عدم الإتقان ويدل له حديث التعتعة « 4 » .
فإن اعترض بالقول : ما شأن مقالة البحث : ومقدار الاجتهاد فيه ؟ وأين مكمن الاجتهاد فيا وصف ؟ .
فالجواب : هذا مبحث واسع من حيث تحديد أطره حتى لا يشط في فهمها ، وليشر هاهنا إلى ما يتعلق بالجزئية مناط البحث : فمكمن الاجتهاد مع هذا التشديد في التوقيف في تلقي القرآن الكريم - حتى في هيئة استماعه - كامن في الصوت الممنوح من اللّه عزّ وجل للإنسان من حيث الملاحة والحسن فقد يكون نديا ، أو أقل نداوة ، وفي الصوت من
هامش
( 1 ) حاشية الصاوي 3 / 80 ، مرجع سابق .
( 2 ) وقد أسهب في الكلام عن ذلك الإمام الشاطبي في الموافقات ، المقدمة الثانية عشرة 1 / 91 ، مرجع سابق .
( 3 ) انظر : الفصل الخامس - المبحث الأول .
( 4 ) انظر : المبحث السادس من هذا الفصل .