تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 464

مساهمون:

ص٤٦٤
كالغلاف على الحنطة . وقال ابن زيد : العصف ورق الزرع وورق البقل إذا أكلته البهائم فراثته فصار درينا والمعنى أن اللّه سبحانه وتعالى أهلكهم ودمرهم وردّهم بكيدهم وغيظهم ، لم ينالوا خيرا ، وأهلك عامتهم ولم يرجع منهم مخبر إلا وهو جريح كما جرى لملكهم أبرهة فإنه انصدع صدره عن قلبه حين وصل إلى بلده صنعاء ، وأخبرهم بما جرى لهم ثم مات فملك بعده ابنه يكسوم ثم من بعده أخوه مسروق بن أبرهة ، ثم خرج سيف بن ذي يزن الحميري إلى كسرى فاستعانه على الحبشة فأنفذ معه من جيوشه فقاتلوا معه فرد للّه إليهم ملكهم ، وما كان في آبائهم من الملك وجاءته وفود العرب للتهنئة ، وقد قال محمد بن إسحاق : حدثنا عبد اللّه بن أبي بكر عن عمرة بنت عبد الرّحمن بن أسعد بن زرارة عن عائشة قالت : لقد رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان ورواه الواقدي عن عائشة مثله ، ورواه أيضا عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت : كانا مقعدين يستطعمان الناس عند إساف ونائلة حيث يذبح المشركون ذبائحهم . ( قلت ) : كان اسم قائد الفيل أنيسا . وقد ذكر الحافظ أبو نعيم في كتاب دلائل النبوة من طريق ابن وهب عن ابن لهيعة عن عقيل بن خالد عن عثمان بن المغيرة قصة أصحاب الفيل ، ولم يذكر أن أبرهة قدم من اليمن وإنما بعث على الجيش رجلا يقال له شمر بن مقصود ، وكان الجيش عشرين ألفا ، وذكر أن الطير طرقتهم ليلا فأصبحوا صرعى ، وهذا السياق غريب جدا وإن كان أبو نعيم قد قواه ورجحه على غيره ، والصحيح أن أبرهة الأشرم الحبشي قدم مكة كما دل على ذلك السياقات والأشعار ، وهكذا روي عن ابن لهيعة عن الأسود عن عروة أن أبرهة بعث الأسود بن مقصود على كتيبة معهم الفيل ، ولم يذكر قدوم أبرهة نفسه ، والصحيح قدومه ولعل ابن مقصود كان على مقدمة الجيش واللّه أعلم . ثم ذكر ابن إسحاق « 1 » شيئا من أشعار العرب فيما كان من قصة أصحاب الفيل فمن ذلك شعر عبد اللّه بن الزبعرى : [ الطويل ]
تنكلوا عن بطن مكة إنها * كانت قديما لا يرام حريمها لم تخلق الشعرى ليالي حرمت * إذ لا عزيز من الأنام يرومها سائل أمير الجيش عنها ما رأى * فلسوف ينبي الجاهلين عليمها ستون ألفا لم يؤوبوا أرضهم * بل لم يعش بعد الإياب سقيمها كانت بها عاد وجرهم قبلهم * واللّه من فوق العباد يقيمها
وقال أبو قيس بن الأسلت الأنصاري المري : [ المتقارب ]
ومن صنعه يوم فيل الحبوش * إذ كل ما بعثوه رزم « 2 »
هامش
( 1 ) انظر سيرة ابن هشام 1 / 58 . ( 2 ) الأبيات في ديوان أمية بن أبي الصلت ص 57 ، والبيت الأخير بلا نسبة في لسان العرب ( ثأج ) ، وتاج العروس ( ثأج )