تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦

[ سورة القيامة ( 75 ) : الآيات 16 إلى 25 ]

لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ( 16 ) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ( 17 ) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ( 18 ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ( 19 ) كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ ( 20 ) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ ( 21 ) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ( 23 ) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ ( 24 ) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ ( 25 ) هذا تعليم من اللّه عز وجل لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم في كيفية تلقيه الوحي من الملك ، فإنه كان يبادر إلى أخذه ويسابق الملك في قراءته ، فأمره اللّه عز وجل إذا جاءه الملك بالوحي أن يستمع له وتكفل اللّه له أن يجمعه في صدره وأن ييسره لأدائه على الوجه الذي ألقاه عليه ، وأن يبينه له ويفسره ويوضحه . فالحالة الأولى جمعه في صدره والثانية تلاوته والثالثة تفسيره وإيضاح معناه . ولهذا قال تعالى :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ
أي بالقرآن كما قال تعالى :
وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
[ طه : 114 ] ثم قال تعالى :
إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ
أي في صدرك
وَقُرْآنَهُ
أي أن تقرأه
فَإِذا قَرَأْناهُ
أي إذا تلاه عليك الملك عن اللّه تعالى :
فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ
أي فاستمع له ثم اقرأه كما أقرأك
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ
أي بعد حفظه وتلاوته نبينه لك ونوضحه ونلهمك معناه على ما أردنا وشرعنا . وقال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا عبد الرّحمن عن أبي عوانة عن موسى بن أبي عائشة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يعالج من التنزيل شدة فكان يحرك شفتيه قال : فقال لي ابن عباس : أنا أحرك شفتي كما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحرك شفتيه ، وقال لي سعيد : وأنا أحرك شفتي كما رأيت ابن عباس يحرك شفتيه ، فأنزل اللّه عز وجل
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
قال : جمعه في صدرك ثم تقرأه
فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ
أي فاستمع له وأنصت
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ
فكان بعد ذلك إذا انطلق جبريل قرأه كما أقرأه « 2 » . وقد رواه البخاري ومسلم من غير وجه عن موسى بن أبي عائشة به . ولفظ البخاري فكان إذا أتاه جبريل أطرق فإذا ذهب قرأه كما وعده اللّه عز وجل . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو يحيى التيمي ، حدثنا موسى بن أبي عائشة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا نزل عليه الوحي يلقى منه شدة ، وكان إذا نزل عليه عرف في تحريكه شفتيه يتلقى أوله ويحرك به شفتيه ، خشية أن ينسى أوله قبل أن يفرغ من آخره فأنزل اللّه تعالى :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ
وهكذا قال الشعبي والحسن البصري وقتادة ومجاهد والضحاك وغير واحد : إن هذه الآية نزلت في ذلك .
هامش
( 1 ) المسند 1 / 343 . ( 2 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 75 ، باب 1 ، والترمذي في تفسير سورة 75 ، باب 1 ، والنسائي في الافتتاح باب 37 .