تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
قال : شرنا . عرضت هذا الإسناد على شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزّي فقال هذا إسناد صحيح إلى الأعمش ، وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة العباس بن أحمد الدمشقي قال : سمعت بعض الجن وأنا في منزل لي بالليل ينشد : [ الطويل ]
قلوب براها الحب حتى تعلقت * مذاهبها في كل غرب وشارق تهيم بحبّ اللّه واللّه ربها * معلّقة باللّه دون الخلائق
وقوله تعالى :
وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً
أي نعلم أن قدرة اللّه حاكمة علينا وأنا لا نعجزه في الأرض ، ولو أمعنا في الهرب فإنه علينا قادر لا يعجزه أحد منا
وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ
يفتخرون بذلك وهو مفخر لهم وشرف رفيع وصفة حسنة ، وقولهم
فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً
قال ابن عباس وقتادة وغيرهما : فلا يخاف أن ينقص من حسناته أو يحمل عليه غير سيئاته كما قال تعالى :
فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً
[ طه : 112 ]
وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ
أي منا المسلم ومنا القاسط ، وهو الجائر عن الحق الناكب عنه ، بخلاف المقسط فإنه العادل
فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً
أي طلبوا لأنفسهم النجاة
وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً
أي وقودا تسعر بهم . وقوله تعالى :
وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ
اختلف المفسرون في معنى هذا على قولين : [ أحدهما ] وأن لو استقام القاسطون على طريقة الإسلام وعدلوا إليها واستمروا عليها
لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً
أي كثيرا ، والمراد بذلك سعة الرزق ، كقوله تعالى :
وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ
[ المائدة : 66 ] وكقوله تعالى :
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
[ الأعراف : 96 ] وعلى هذا يكون معنى قوله :
لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ
أي لنختبرهم ، كما قال مالك عن زيد بن أسلم :
لِنَفْتِنَهُمْ
لنبتليهم من يستمر على الهداية ممن يرتد إلى الغواية . [ ذكر من قال بهذا القول ] قال العوفي عن ابن عباس :
وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ
يعني بالاستقامة الطاعة « 1 » ، وقال مجاهد
وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ
قال : الإسلام وكذا قال سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وعطاء والسدي ومحمد بن كعب القرظي ، وقال قتادة
وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ
يقول : لو آمنوا كلهم لأوسعنا عليهم من الدنيا وقال مجاهد :
وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ
أي : طريقة الحق ، وكذا قال الضحاك واستشهد على ذلك بالآيتين اللتين ذكرناهما ، وكل هؤلاء أو أكثرهم قالوا في قوله :
لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ
أي لنبتليهم به . وقال مقاتل : نزلت في كفار قريش حين منعوا المطر سبع سنين .
هامش
( 1 ) انظر تفسير الطبري 12 / 268 .