يقول تعالى مخبرا عن نوح عليه السّلام أنه أنهى إليه ، وهو العليم الذي لا يعزب عنه شيء ، أنه مع البيان المتقدم ذكره والدعوة المتنوعة المشتملة على الترغيب تارة والترهيب أخرى أنهم عصوه وخالفوه وكذبوه ، واتبعوا أبناء الدنيا ممن غفل عن أمر اللّه ومتع بمال وأولاد وهي في نفس الأمر استدراج وإنظار لا إكرام ولهذا قال :
وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً
قرئ وولده بالضم وبالفتح وكلاهما متقارب .
وقوله تعالى :
وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً
قال مجاهد :
كُبَّاراً
أي عظيما ، وقال ابن زيد :
كُبَّاراً
أي كبيرا والعرب تقول أمر عجيب وعجاب وعجّاب ، ورجل حسان وحسّان وجمال وجمّال بالتخفيف والتشديد بمعنى واحد « 1 » ، والمعنى في قوله تعالى :
وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً
أي بأتباعهم في تسويلهم لهم أنهم على الحق والهدى كما يقولون لهم يوم القيامة
بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً
[ سبأ : 33 ] ولهذا قال هاهنا :
وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً
وهذه أسماء أصنامهم التي كانوا يعبدونها من دون اللّه .
قال البخاري : حدثنا إبراهيم ، حدثنا هشام عن ابن جريج ، وقال عطاء عن ابن عباس :
صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد : أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل ، وأما سواع فكانت لهذيل ، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ ، وأما يعوق فكانت لهمدان ، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي كلاع وهي أسماء رجال صالحين من قوم نوح عليه السّلام ، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسّخ العلم عبدت « 2 » . وكذا روي عن عكرمة والضحاك وقتادة وابن إسحاق نحو هذا ، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : هذه أصنام كانت تعبد في زمن نوح .
وقال ابن جرير « 3 » : حدثنا ابن حميد ، حدثنا مهران عن سفيان عن موسى عن محمد بن قيس
وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً
قال : كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح وكان لهم أتباع يقتدون بهم ، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم : لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم ، فصوروهم فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال : إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم .
وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة شيث عليه السّلام من طريق إسحاق بن بشر قال :
هامش
( 1 ) انظر تفسير الطبري 12 / 253 .
( 2 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 71 .
( 3 ) تفسير الطبري 12 / 254 .