لا تنفعهم الندامة فقالوا :
لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ
أي لو كانت لنا عقول ننتفع بها أو نسمع ما أنزله اللّه من الحق ، لما كنا على ما كنا عليه من الكفر باللّه والاغترار به ، ولكن لم يكن لنا فهم نعي به ما جاءت به الرسل ، ولا كان لنا عقل يرشدنا إلى اتباعهم . قال اللّه تعالى :
فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ
.
قال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي البختري الطائي قال : أخبرني من سمعه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم » وفي حديث آخر « لا يدخل أحد النار إلا وهو يعلم أن النار أولى به من الجنة » .
[ سورة الملك ( 67 ) : الآيات 12 إلى 15 ]
إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ( 12 ) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 13 ) أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 14 ) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ( 15 )
يقول تعالى مخبرا عمن يخاف مقام ربه فيما بينه وبينه إذا كان غائبا عن الناس ، فينكف عن المعاصي ويقوم بالطاعات حيث لا يراه أحد إلا اللّه تعالى بأنه له مغفرة وأجر كبير أي تكفر عنه ذنوبه ويجازى بالثواب الجزيل ، كما ثبت في الصحيحين « سبعة يظلهم اللّه تعالى في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله » فذكر منهم رجلا دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال : إني أخاف اللّه ، ورجلا تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه « 2 » .
وقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده : حدثنا طالوت بن عباد ، حدثنا الحارث بن عبيد عن ثابت عن أنس قال : قالوا يا رسول اللّه ، إنا نكون عندك على حال فإذا فارقناك كنا على غيره قال : « كيف أنتم وربكم ؟ » قالوا : اللّه ربنا في السر والعلانية ، قال : « ليس ذلكم النفاق » لم يروه عن ثابت إلا الحارث بن عبيد فيما نعلمه ، ثم قال منبها على أنه مطلع على الضمائر والسرائر
وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
أي بما يخطر في القلوب .
أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ
أي ألا يعلم الخالق ، وقيل معناه ألا يعلم اللّه مخلوقه ؟ والأول أولى لقوله :
وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
، ثم ذكر نعمته على خلقه في تسخيره لهم الأرض وتذليله إياها لهم بأن جعلها قارة ساكنة لا تميد ولا تضطرب بما جعل فيها من الجبال وأنبع فيها من العيون ، وسلك فيها من السبل ، وهيأ فيها من المنافع ومواضع الزروع والثمار فقال تعالى :
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها
أي فسافروا حيث شئتم من أقطارها وترددوا في أقاليمها وأرجائها في أنواع المكاسب والتجارات ، واعلموا أن سعيكم لا يجدي
هامش
( 1 ) المسند 4 / 260 ، 5 / 293 .
( 2 ) أخرجه البخاري في الأذان باب 36 ، ومسلم في الزكاة حديث 91 .