منهم ، يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ، فبعثه اللّه سبحانه وتعالى وله الحمد والمنة على حين فترة من الرسل وطموس من السبل ، وقد اشتدت الحاجة إليه ، وقد مقت اللّه أهل الأرض عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب ، أي نزرا يسيرا ممن تمسك بما بعث اللّه به عيسى ابن مريم عليه السّلام ، ولهذا قال تعالى :
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ
.
وذلك أن العرب كانوا قديما متمسكين بدين إبراهيم الخليل عليه السّلام ، فبدلوه وغيروه وقلبوه وخالفوه واستبدلوا بالتوحيد شركا وباليقين شكا ، وابتدعوا أشياء لم يأذن بها اللّه ، وكذلك أهل الكتاب قد بدلوا كتبهم وحرفوها وغيروها وأولوها ، فبعث اللّه محمدا صلوات اللّه وسلامه عليه بشرع عظيم كامل شامل لجميع الخلق ، فيه هدايتهم والبيان لجميع ما يحتاجون إليه من أمر معاشهم ومعادهم ، والدعوة لهم إلى ما يقربهم إلى الجنة ورضا اللّه عنهم ، والنهي عما يقربهم إلى النار وسخط اللّه تعالى حاكم فاصل لجميع الشبهات والشكوك والريب في الأصول والفروع ، وجمع له تعالى وله الحمد والمنة جميع المحاسن ممن كان قبله وأعطاه ما لم يعط أحدا من الأولين ولا يعطيه أحدا من الآخرين ، فصلوات اللّه وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين .
وقوله تعالى :
وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
قال الإمام أبو عبد اللّه البخاري رحمه اللّه تعالى : حدثنا عبد العزيز بن عبد اللّه ، حدثنا سليمان بن بلال عن ثور عن أبي الغيث عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ، قال : كنا جلوسا عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأنزلت عليه سورة الجمعة
وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ
قالوا : من هم يا رسول اللّه ؟ فلم يراجعهم حتى سئل ثلاثا ، وفينا سلمان الفارسي فوضع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يده على سلمان الفارسي ثم قال : « لو كان الإيمان عند الثريا لنا له رجال - أو رجل - من هؤلاء » « 1 » ورواه مسلم والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن جرير من طرق ، عن ثور بن زيد الديلي عن سالم أبي الغيث عن أبي هريرة به .
ففي هذا الحديث دليل على أن هذه السورة مدنية وعلى عموم بعثته صلّى اللّه عليه وسلّم إلى جميع الناس ، لأنه فسر قوله تعالى :
وَآخَرِينَ مِنْهُمْ
بفارس ، ولهذا كتب كتبه إلى فارس والروم وغيرهم من الأمم ، يدعوهم إلى اللّه عز وجل وإلى اتباع ما جاء به ، ولهذا قال مجاهد وغير واحد في قوله تعالى :
وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ
قال : هم الأعاجم وكل من صدق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من غير العرب .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا إبراهيم بن العلاء الزبيدي ، حدثنا الوليد بن مسلم ،
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 62 ، باب 1 ، ومسلم في فضائل الصحابة حديث 231 ، والترمذي في تفسير سورة 62 ، باب 1 ، وأحمد في المسند 2 / 417 ، وتفسير الطبري 12 / 90 .