تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 456

مساهمون:

ص٤٥٦
في صدفة نبتت بها عنبرة ، وروي من غير وجه عن ابن عباس نحوه . وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا سفيان عن الأعمش عن عبد اللّه بن عبد اللّه ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : إذا أمطرت السماء فتحت الأصداف في البحر أفواهها فما وقع فيها ، يعني من قطر فهو اللؤلؤ . إسناده صحيح ، ولما كان اتخاذ هذه الحلية نعمة على أهل الأرض ، امتن بها عليهم فقال :
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
. وقوله تعالى :
وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ
يعني السفن التي تجري في البحر قال مجاهد : ما رفع قلعه من السفن فهي منشأة وما لم يرفع قلعه فليس بمنشأة ، وقال قتادة :
الْمُنْشَآتُ
يعني المخلوقات ، وقال غيره ، المنشئات بكسر الشين يعني البادئات
كَالْأَعْلامِ
أي كالجبال في كبرها وما فيها من المتاجر والمكاسب المنقولة من قطر إلى قطر وإقليم إلى إقليم ، مما فيه صلاح الناس في جلب ما يحتاجون إليه من سائر أنواع البضائع ، ولهذا قال :
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا حماد بن سلمة ، حدثنا العرار بن سويد عن عميرة بن سعد قال : كنت مع علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه على شاطئ الفرات إذ أقبلت سفينة مرفوع شراعها فبسط علي يديه ثم قال : يقول اللّه عز وجل :
وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ
والذي أنشأها تجري في بحوره ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله .

[ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 26 إلى 30 ]

كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ( 26 ) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ( 27 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 28 ) يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ( 29 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 30 ) يخبر تعالى أن جميع أهل الأرض سيذهبون ويموتون أجمعون ، وكذلك أهل السماوات إلا من شاء اللّه ولا يبقى أحد سوى وجهه الكريم ، فإن الرب تعالى وتقدس لا يموت بل هو الحي الذي لا يموت أبدا ، قال قتادة : أنبأ بما خلق ثم أنبأ أن ذلك كله فان . وفي الدعاء المأثور : يا حي يا قيوم يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام ، لا إله إلا أنت برحمتك نستغيث أصلح لنا شأننا كله ، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ، ولا إلى أحد من خلقك . وقال الشعبي : إذا قرأت
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ
فلا تسكت حتى تقرأ
وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ
وهذه الآية كقوله تعالى :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
[ القصص : 88 ] وقد نعت تعالى وجهه الكريم في هذه الآية بأنه ذو الجلال والإكرام أي هو أهل أن يجل فلا يعصى ، وأن يطاع فلا يخالف كقوله تعالى :
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ
[ الكهف : 28 ] وكقوله إخبارا عن المتصدقين :
إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ
[ الإنسان : 9 ] .
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 456 | ابن كثير / محمد حسين شمس الدين