يقول تعالى مسليا لنبيه صلى اللّه عليه وسلم وكما قال لك هؤلاء المشركون قال المكذبون الأولون لرسلهم :
كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ
قال اللّه عز وجل :
أَ تَواصَوْا بِهِ ؟
أي أوصى بعضهم بعضا بهذه المقالة
بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ
أي لكن هم قوم طغاة تشابهت قلوبهم ، فقال متأخرهم كما قال متقدمهم .
قال اللّه تعالى :
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ
أي فأعرض عنهم يا محمد
فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ
يعني فما نلومك على ذلك
وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
أي إنما تنتفع بها القلوب المؤمنة ، ثم قال جل جلاله :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
أي إنما خلقتهم لآمرهم بعبادتي لا لاحتياجي إليهم . وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
أي إلا ليقروا بعبادتي طوعا أو كرها . وهذا اختيار ابن جرير « 1 » وقال ابن جريج : إلا ليعرفون ، وقال الربيع بن أنس
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
أي إلا للعبادة ، وقال السدي : من العبادة ما ينفع ومنها ما لا ينفع
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ *
هذا منهم عبادة وليس ينفعهم مع الشرك ، وقال الضحاك : المراد بذلك المؤمنون .
وقوله تعالى :
ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ
قال الإمام أحمد « 2 » : حدثنا يحيى بن آدم وأبو سعيد قالا : حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال : أقرأني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « إني لأنا الرزاق ذو القوة المتين » « 3 » ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث إسرائيل ، وقال الترمذي : حسن صحيح . ومعنى الآية أنه تبارك وتعالى خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء ، ومن عصاه عذبه أشد العذاب . وأخبر أنه غير محتاج إليهم بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم . فهو خالقهم ورازقهم . قال الإمام أحمد « 4 » : حدثنا محمد بن عبد اللّه ، حدثنا عمران - يعني ابن زائدة بن نشيط عن أبيه عن أبي خالد - هو الوالبي - عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال اللّه تعالى - « يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك ، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلا ولم أسد
هامش
( 1 ) المسند 1 / 394 .
( 2 ) أخرجه البخاري في التوحيد ، باب 3 ، وأبو داود في الحروف باب 25 ، والترمذي في القرآن باب 6 .
( 3 ) . 2 / 358 .
( 4 ) . 2 / 358 .