تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
الحديث . قلت : فهذا الحديث ضعيف رفعه وأقرب ما فيه أنه موقوف على عمر رضي اللّه عنه ، فإن قصة صبيغ بن عسل مشهورة مع عمر رضي اللّه عنه ، وإنما ضربه لأنه ظهر له من أمره فيما يسأل تعنتا وعنادا ، واللّه أعلم . وقد ذكر الحافظ ابن عساكر هذه القصة في ترجمة صبيغ مطولة ، وهكذا فسرها ابن عباس وابن عمر رضي اللّه عنهم ، ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والسدي وغير واحد ، ولم يحك ابن جرير وابن أبي حاتم غير ذلك ، وقد قيل إن المراد بالذاريات الريح كما تقدم ، وبالحاملات وقرا السحاب كما تقدم ، لأنها تحمل الماء كما قال زيد بن عمرو بن نفيل : [ المتقارب ]
وأسلمت نفسي لمن أسلمت * له المزن تحمل عذبا زلالا « 1 »
فأما الجاريات يسرا فالمشهور عن الجمهور كما تقدم أنها السفن ، تجري ميسرة في الماء جريا سهلا ، وقال بعضهم : هي النجوم تجري يسرا في أفلاكها ليكون ذلك ترقيا من الأدنى إلى الأعلى إلى ما هو أعلى منه ، فالرياح فوقها السحاب ، والنجوم فوق كذلك ، والمقسمات أمرا الملائكة فوق ذلك تنزل بأوامر اللّه الشرعية والكونية ، وهذا قسم من اللّه عز وجل على وقوع المعاد ، ولهذا قال تعالى :
إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ
أي لخبر صدق
وَإِنَّ الدِّينَ
وهو الحساب
لَواقِعٌ
أي لكائن لا محالة . ثم قال تعالى :
وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ
قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : ذات الجمال والبهاء والحسن والاستواء ، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو مالك وأبو صالح والسدي وقتادة وعطية العوفي والربيع بن أنس وغيرهم . وقال الضحاك والمنهال بن عمرو وغيرهما مثل تجعد الماء والرمل والزرع ، إذا ضربته الريح فينسج بعضه بعضا طرائق ، فذلك الحبك . قال ابن جرير « 2 » : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، حدثنا أيوب عن أبي قلابة عن رجل من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن من ورائكم الكذاب المضل ، وإن رأسه من ورائه حبك حبك » يعني بالحبك الجعودة : وعن أبي صالح :
ذاتِ الْحُبُكِ
الشدة وقال خصيف :
ذاتِ الْحُبُكِ
ذات الصفاقة . وقال الحسن بن أبي الحسن البصري : ذات الحبك حبكت بالنجوم ، وقال قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن عمرو البكالي عن عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه عنهما
وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ
يعني السماء السابعة ، وكأنه واللّه أعلم أراد بذلك السماء التي فيها الكواكب الثابتة ، وهي عند كثير من علماء الهيئة في الفلك الثامن الذي فوق السابع ، واللّه أعلم . وكل هذه الأقوال ترجع إلى شيء واحد وهو الحسن والبهاء كما قال ابن عباس رضي اللّه عنهما ، فإنها من حسنها مرتفعة شفافة صفيقة شديدة البناء متسعة الأرجاء أنيقة البهاء ، مكللة
هامش
( 1 ) البيت في سيرة ابن هشام 1 / 231 . ( 2 ) تفسير الطبري 11 / 445 .