تبارك وتعالى :
وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ
كما قال تعالى :
لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً
[ النور : 63 ] .
وقوله عز وجل :
أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ
أي إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده ، خشية أن يغضب من ذلك فيغضب اللّه تعالى لغضبه ، فيحبط اللّه عمل من أغضبه وهو لا يدري كما جاء في الصحيح : « إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان اللّه تعالى لا يلقي لها بالا يكتب له بها الجنة ، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط اللّه تعالى لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض » « 1 » ثم ندب اللّه تعالى إلى خفض الصوت عنده وحث على ذلك ، وأرشد إليه ، ورغب فيه فقال :
إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى
أي أخلصها لها وجعلها أهلا ومحلا
لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ
.
وقد قال الإمام أحمد في كتاب الزهد : حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان عن منصور عن مجاهد قال : كتب إلى عمر : يا أمير المؤمنين ، رجل لا يشتهي المعصية ، ولا يعمل بها أفضل ، أم رجل يشتهي المعصية ولا يعمل بها فكتب عمر رضي اللّه عنه : إن الذين يشتهون المعصية ولا يعملون بها
أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ
.
[ سورة الحجرات ( 49 ) : الآيات 4 إلى 5 ]
إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 4 ) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 5 )
ثم إنه تبارك وتعالى ذم الذين ينادونه من وراء الحجرات وهي بيوت نسائه ، كما يصنع أجلاف الأعراب فقال :
أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ
ثم أرشد تعالى إلى الأدب في ذلك فقال عز وجل :
وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ
أي لكان لهم في ذلك الخيرة والمصلحة في الدنيا والآخرة . ثم قال جل ثناؤه داعيا لهم إلى التوبة والإنابة
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
وقد ذكر أنها نزلت في الأقرع بن حابس التميمي رضي اللّه عنه فيما أورده غير واحد .
قال الإمام أحمد « 2 » : حدثنا عفان ، حدثنا وهيب ، حدثنا موسى بن عقبة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن الأقرع بن حابس رضي اللّه عنه ، أنه نادى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من وراء الحجرات فقال : يا محمد يا محمد ، وفي رواية : يا رسول اللّه ، فلم يجبه فقال : يا رسول اللّه إن حمدي لزين ، وإن ذمي لشين ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « ذاك اللّه عز وجل » .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الرقاق باب 23 ، والترمذي في الزهد باب 12 ، وابن ماجة في الفتن باب 12 ، وما لك في الكلام حديث 5 ، وأحمد في المسند 3 / 469 .
( 2 ) المسند 3 / 488 ، 6 / 394 .