تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
[ الحجرات : 4 - 5 ] الآية ، فهذا كله من باب الأدب في مخاطبة النبي صلى اللّه عليه وسلم والكلام معه وعنده كما أمروا بتقديم الصدقة قبل مناجاته . والقول الثاني في ذلك أن المعنى في
لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً
اي لا تعتقدوا أن دعاءه على غيره كدعاء غيره ، فإن دعاءه مستجاب فاحذروا أن يدعو عليكم فتهلكوا ، حكاه ابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن البصري وعطية العوفي ، واللّه أعلم . وقوله
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً
قال مقاتل بن حيان : هم المنافقون كان يثقل عليهم الحديث في يوم الجمعة ، ويعني بالحديث الخطبة ، فيلوذون ببعض أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم حتى يخرجوا من المسجد ، وكان لا يصلح للرجل أن يخرج من المسجد إلا بإذن من النبي صلى اللّه عليه وسلم في يوم الجمعة بعد ما يأخذ في الخطبة ، وكان إذا أراد أحدهم الخروج أشار بإصبعه إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فيأذن له من غير أن يتكلم الرجل ، لأن الرجل منهم كان إذا تكلم والنبي صلى اللّه عليه وسلم يخطب بطلت جمعته . وقال السدي : كانوا إذا كانوا معه في جماعة لاذ بعضهم ببعض حتى يتغيبوا عنه فلا يراهم ، وقال قتادة في قوله
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً
يعني لواذا عن نبي اللّه وعن كتابه . وقال سفيان
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً
قال : من الصف ، وقال مجاهد في الآية
لِواذاً
خلافا . وقوله
فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ
أي عن أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو سبيله ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته ، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله ، فما وافق ذلك قبل ، وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله كائنا من كان ، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد » « 1 » أي فليحذر وليخش من خالف شريعة الرسول باطنا وظاهرا .
أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ
أي في قلوبهم من كفر أو نفاق أو بدعة
أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
أي في الدنيا بقتل أو حد أو حبس أو نحو ذلك . كما روى الإمام أحمد « 2 » : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر عن همام بن منبه ، قال : هذا ما حدثنا عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب اللائي يقعن في النار يقعن فيها ، وجعل يحجزهن ويغلبنه ويقتحمن فيها - قال - فذلك مثلي ومثلكم ، أنا آخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار ، فتغلبوني وتقتحمون فيها » « 3 » أخرجاه من حديث عبد الرزاق .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الاعتصام باب 20 ، والبيوع باب 60 ، والصلح باب 5 ، ومسلم في الأقضية حديث 17 ، 18 ، وأبو داود في السنة باب 5 ، وابن ماجة في المقدمة باب 2 . وأحمد في المسند 6 / 146 . ( 2 ) المسند 2 / 312 . ( 3 ) أخرجه البخاري في الأنبياء باب 40 ، والرقاق باب 26 ، ومسلم في الفضائل حديث 17 ، 18 ، 19 ، والترمذي في الأدب باب 82 .
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 82 | ابن كثير / محمد حسين شمس الدين