تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 395

مساهمون:

ص٣٩٥
رضي اللّه عنها أنها كانت تغير من النساء اللاتي وهبن أنفسهن لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قالت : ألا تستحي المرأة أن تعرض نفسها بغير صداق ؟ فأنزل اللّه عز وجل
تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ
الآية ، قالت : إني أرى ربك يسارع لك في هواك . وقد تقدم أن البخاري رواه من حديث أبي أسامة عن هشام بن عروة ، فدل هذا على أن المراد بقوله :
تُرْجِي
أي تؤخر
مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ
أي من الواهبات
وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ
أي من شئت قبلتها ومن شئت رددتها ، ومن رددتها فأنت فيها أيضا بالخيار بعد ذلك إن شئت عدت فيها فآويتها ، ولهذا قال :
وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ
. قال عامر الشعبي في قوله تعالى :
تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ
الآية ، كن نساء وهبن أنفسهن للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، فدخل ببعضهن وأرجأ بعضهن لم ينكحن بعده ، منهن أم شريك وقال آخرون : بل المراد بقوله
تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ
الآية ، أي من أزواجك لا حرج عليك أن تترك القسم لهن ، فتقدم من شئت وتؤخر من شئت ، وتجامع من شئت وتترك من شئت ، هكذا يروى عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وأبي رزين وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم ، ومع هذا كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يقسم لهن ، ولهذا ذهب طائفة من الفقهاء من الشافعية وغيرهم إلى أنه لم يكن القسم واجبا عليه صلى اللّه عليه وسلم ، واحتجوا بهذه الآية الكريمة . وقال البخاري « 1 » : حدثنا حبان بن موسى ، حدثنا عبد اللّه هو ابن المبارك ، وأخبرنا عاصم الأحول عن معاذ عن عائشة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : كان يستأذن في اليوم المرأة منا بعد أن أنزلت هذه الآية
تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ
فقلت لها : ما كنت تقولين ؟ فقالت : كنت أقول إن كان ذلك إلي فإني لا أريد يا رسول اللّه أن أوثر عليك أحدا . فهذا الحديث عنها يدل على أن المراد من ذلك عدم وجود القسم ، وحديثها الأول يقتضي أن الآية نزلت في الواهبات ، ومن هاهنا اختار ابن جرير أن الآية عامة في الواهبات وفي النساء ، اللاتي عنده أنه مخير فيهن إن شاء قسم وإن شاء لم يقسم ، وهذا الذي اختاره حسن جيد قوي ، وفيه جمع بين الأحاديث ، ولهذا قال تعالى :
ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ
أي إذا علمن أن اللّه قد وضع عنك الحرج في القسم ، فإن شئت قسمت وإن شئت لم تقسم ، لا جناح عليك في أي ذلك فعلت ، ثم مع هذا أن تقسم لهن اختيارا منك ، لا أنه على سبيل الوجوب ، فرحن بذلك واستبشرن به ، وحملن جميلك في ذلك ، واعترفن بمنتك عليهن في قسمتك لهن وتسويتك بينهن وإنصافك لهن وعدلك فيهن . وقوله تعالى :
وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ
أي من الميل إلى بعضهن دون بعض مما
هامش
( 1 ) كتاب التفسير ، تفسير سورة 33 ، باب 7 .