تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 333

مساهمون:

ص٣٣٣
بين أبويها ، فأرضينا أبويها ، وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون ، ثم ألقيناها في هذا النيل ، فقال لهم عمرو : إن هذا لا يكون في الإسلام ، إن الإسلام يهدم ما كان قبله ، فأقاموا بؤونة والنيل لا يجري حتى هموا بالجلاء ، فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب بذلك ، فكتب إليه عمر : إنك قد أصبت بالذي فعلت ، وقد بعثت إليك ببطاقة داخل كتابي هذا ، فألقها في النيل . فلما قدم كتابه أخذ عمرو البطاقة ففتحها ، فإذا فيها : من عبد اللّه عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر ، أما بعد ، فإنك إن كنت إنما تجري من قبلك فلا تجري ، وإن كان اللّه الواحد القهار هو الذي يجريك ، فنسأل اللّه أن يجريك . قال : فألقى البطاقة في النيل فأصبحوا يوم السبت وقد أجرى اللّه النيل ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة ، قد قطع اللّه تلك السنة عن أهل مصر إلى اليوم . رواه الحافظ أبو القاسم اللالكائي الطبري في كتاب السنة له ، ولهذا قال تعالى :
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَ فَلا يُبْصِرُونَ
كما قال تعالى :
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا
[ عبس : 24 - 31 ] الآية ، ولهذا قال هاهنا
أَ فَلا يُبْصِرُونَ
. وقال ابن أبي نجيح عن رجل عن ابن عباس في قوله
إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ
قال : هي التي لا تمطر إلا مطرا لا يغني عنها شيئا إلا ما يأتيها من السيول ، وعن ابن عباس ومجاهد : هي أرض باليمن ، وقال الحسن رحمه اللّه : هي قرى بين اليمن والشام . وقال عكرمة والضحاك وقتادة والسدي وابن زيد : الأرض الجرز التي لا نبات فيها ، وهي مغبرة ، قلت : وهذا كقوله تعالى :
وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها
الآيتين .

[ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 28 إلى 30 ]

وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 28 ) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 29 ) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ ( 30 ) يقول تعالى مخبرا عن استعجال الكفار ووقوع بأس اللّه بهم ، وحلول غضبه ونقمته عليهم ، استبعادا وتكذيبا وعنادا
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ
أي متى تنصر علينا يا محمد ؟ كما تزعم أن لك وقتا علينا وينتقم لك منا ، فمتى يكون هذا ؟ ما نراك أنت وأصحابك إلا مختفين خائفين ذليلين ، قال اللّه تعالى :
قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ
أي إذا حل بكم بأس اللّه وسخطه وغضبه في الدنيا وفي الأخرى
لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ
كما قال تعالى :
فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ
[ غافر : 83 - 85 ] الآيتين . ومن زعم أن المراد من هذا الفتح فتح مكة فقد أبعد النجعة ، وأخطأ فأفحش ، فإن يوم الفتح قد قبل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إسلام الطلقاء ، وقد كانوا قريبا من ألفين ، ولو كان المراد فتح مكة لما قبل إسلامهم لقوله تعالى :
قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 333 | ابن كثير / محمد حسين شمس الدين