تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧

[ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 8 إلى 9 ]

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ ( 8 ) خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 9 ) هذا ذكر مآل الأبرار من السعداء في الدار الآخرة ، الذين آمنوا باللّه وصدقوا المرسلين ، وعملوا الأعمال الصالحة التابعة لشريعة اللّه
لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ
أي يتنعمون فيها بأنواع الملاذ والمسار من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمراكب والنساء والنضرة والسماع ، الذي لم يخطر ببال أحد وهم في ذلك مقيمون دائما فيها ، لا يظعنون دائما ولا يبغون عنها حولا . وقوله تعالى :
وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا
أي هذا كائن لا محالة لأنه من وعد اللّه ، واللّه لا يخلف الميعاد ، لأنه الكريم المنان الفعال لما يشاء القادر على كل شيء
وَهُوَ الْعَزِيزُ
الذي قد قهر كل شيء ودان له كل شيء
الْحَكِيمُ
في أقواله وأفعاله ، الذي جعل القرآن هدى للمؤمنين
قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى
[ فصلت : 44 ] الآية . وقوله
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً
[ الإسراء : 82 ] .

[ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 10 إلى 11 ]

خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ( 10 ) هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 11 ) يبين سبحانه بهذا قدرته العظيمة على خلق السماوات والأرض ، وما فيهما وما بينهما ، فقال تعالى :
خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ
قال الحسن وقتادة : ليس لها عمد مرئية ولا غير مرئية . وقال ابن عباس وعكرمة ومجاهد ، لها عمد لا ترونها ، وقد تقدم تقرير هذه المسألة في أول سورة الرعد بما أغنى عن إعادته ،
وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ
يعني الجبال أرست الأرض وثقلتها لئلا تضطرب بأهلها على وجه الماء ، ولهذا قال
أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ
أي لئلا تميد بكم . وقوله تعالى :
وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ
أي وذرأ فيها من أصناف الحيوانات مما لا يعلم عدد أشكالها وألوانها إلا الذي خلقها ، ولما قرر سبحانه أنه الخالق نبه على أنه الرازق بقوله
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ
أي من كل زوج من النبات كريم ، أي حسن المنظر . وقال الشعبي : والناس أيضا من نبات الأرض ، فمن دخل الجنة فهو كريم ، ومن دخل النار فهو لئيم . وقوله تعالى :
هذا خَلْقُ اللَّهِ
أي هذا الذي ذكره اللّه تعالى من خلق السماوات والأرض وما بينهما صادر عن فعل اللّه وخلقه وتقديره ، وحده لا شريك له في ذلك ، ولهذا قال تعالى :
فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ
أي مما تعبدون وتدعون من الأصنام والأنداد
بَلِ الظَّالِمُونَ
يعني المشركين باللّه العابدين معه غيره
فِي ضَلالٍ
أي جهل وعمى