تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
مرض ، فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره بما يقدر من الأسباب الموصلة إليه
وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ
أي هو الذي يحيي ويميت لا يقدر على ذلك أحد سواه ، فإنه هو الذي يبدئ ويعيد
وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ
أي لا يقدر على غفران الذنوب في الدنيا والآخرة إلا هو ، ومن يغفر الذنوب إلا اللّه ، وهو الفعال لما يشاء .

[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 83 إلى 89 ]

رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ( 83 ) وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ( 84 ) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ( 85 ) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ ( 86 ) وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ( 87 ) يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ ( 88 ) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ( 89 ) وهذا سؤال من إبراهيم عليه السلام أن يؤتيه ربه حكما . قال ابن عباس : وهو العلم . وقال عكرمة : هو اللب ، وقال مجاهد : هو القرآن . وقال السدي : هو النبوة . وقوله
وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
أي اجعلني مع الصالحين في الدنيا والآخرة ، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم عند الاحتضار « اللهم في الرفيق الأعلى » « 1 » قالها ثلاثا . وفي الحديث في الدعاء « اللهم أحينا مسلمين ، وأمتنا مسلمين ، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مبدلين » « 2 » وقوله
وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ
أي واجعل لي ذكرا جميلا بعدي أذكر به ويقتدى بي في الخير ، كما قال تعالى :
وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
[ الصافات : 108 - 110 ] . قال مجاهد وقتادة
وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ
يعني الثناء الحسن . قال مجاهد : كقوله تعالى
وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً
[ النحل : 122 ] الآية ، وكقوله
وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا
[ العنكبوت : 27 ] الآية ، قال ليث بن أبي سليم : كل ملة تحبه وتتولاه ، وكذا قال عكرمة . وقوله تعالى :
وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ
أي نعم عليّ في الدنيا ببقاء الذكر الجميل بعدي ، وفي الآخرة بأن تجعلني من ورثة جنة النعيم . وقوله
وَاغْفِرْ لِأَبِي
الآية ، كقوله
رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ
[ إبراهيم : 41 ] وهذا مما رجع عنه إبراهيم عليه السلام ، كما قال تعالى :
وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ
- إلى قوله -
إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ
[ التوبة : 114 ] وقد قطع تعالى الإلحاق في استغفاره لأبيه فقال تعالى :
قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ
- إلى قوله -
وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ
[ الممتحنة : 4 ] . وقوله :
وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ
أي أجرني من الخزي يوم القيامة يوم يبعث الخلائق أولهم وآخرهم . وقال البخاري عند هذه الآية : قال إبراهيم بن طهمان عن ابن أبي ذئب عن
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الرقاق باب 42 ، ومسلم في السلام حديث 46 . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند 3 / 423 .