تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١
وقوله :
أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ
قال مجاهد : قال أبي بن كعب : هو يوم بدر ، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة وغير واحد ، واختاره ابن جرير . قال عكرمة ومجاهد في رواية عنهما : هو يوم القيامة ، لا ليل له ، وكذا قال الضحاك والحسن البصري ، وهذا القول هو الصحيح ، وإن كان يوم بدر من جملة ما أوعدوا به لكن هذا هو المراد ، ولهذا قال :
الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ
كقوله :
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
[ الفاتحة : 4 ] . وقوله :
الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً
[ الفرقان : 26 ]
فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
أي آمنت قلوبهم وصدقوا باللّه ورسوله وعملوا بمقتضى ما علموا ، وتوافق قلوبهم وأقوالهم وأعمالهم
فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ
أي لهم النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول ولا يبيد
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا
أي كفرت قلوبهم بالحق وجحدوا به ، وكذبوا به وخالفوا الرسل واستكبروا عن اتباعهم
فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ
أي مقابلة استكبارهم وإعراضهم عن الحق ، كقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ
[ غافر : 6 ] أي صاغرين .

[ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 58 إلى 60 ]

وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 58 ) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ ( 59 ) ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ( 60 ) يخبر تعالى عمن خرج مهاجرا في سبيل اللّه ابتغاء مرضاته وطلبا لما عنده ، وترك الأوطان والأهلين والخلان ، وفارق بلاده في اللّه ورسوله ، ونصرة لدين اللّه ثم قتلوا ، أي في الجهاد ، أو ماتوا أي حتف أنفهم أي من غير قتال على فرشهم ، فقد حصلوا على الأجر الجزيل والثناء الجميل ، كما قال تعالى :
وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ
[ النساء : 100 ] . وقوله :
لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً
أي ليجرين عليهم من فضله ورزقه من الجنة ما تقر به أعينهم
وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ
أي الجنة كما قال تعالى :
فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ
[ الواقعة : 88 - 89 ] فأخبر أنه يحصل له الراحة والرزق وجنة النعيم ، كما قال هاهنا :
لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً
ثم قال
لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ
أي بمن يهاجر ويجاهد في سبيله وبمن يستحق ذلك
حَلِيمٌ
أي يحلم ويصفح ويغفر لهم الذنوب ، ويكفرها عنهم بهجرتهم إليه وتوكلهم عليه . فأما من قتل في سبيل اللّه من مهاجر أو غير مهاجر ، فإنه حي عند ربه يرزق كما قال تعالى :
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
[ آل عمران : 169 ]