تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
الأبصار ، وتغلبوا هذا وأخاه
وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى
أي منا ومنه ، أما نحن فقد وعدنا هذا الملك العطاء الجزيل ، وأما هو فينال الرياسة العظيمة .

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 65 إلى 70 ]

قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى ( 65 ) قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى ( 66 ) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى ( 67 ) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى ( 68 ) وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى ( 69 ) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى ( 70 ) يقول تعالى مخبرا عن السحرة حين توافقوا هم وموسى عليه السلام ، أنهم قالوا لموسى
إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ
أي أنت أولا
وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى قالَ بَلْ أَلْقُوا
أي أنتم أولا لنرى ماذا تصنعون من السحر ، وليظهر للناس جلية أمرهم
فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى
وفي الآية الأخرى أنهم لما ألقوا
قالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ
[ الشعراء : 44 ] وقال تعالى :
سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ
[ الأعراف : 116 ] وقال هاهنا :
فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى
وذلك أنهم أودعوها من الزئبق ما كانت تتحرك بسببه وتضطرب وتميد ، بحيث يخيل للناظر أنها تسعى باختيارها ، وإنما كان حيلة ، وكانوا جما غفيرا وجمعا كثيرا ، فألقى كل منهم عصا وحبلا حتى صار الوادي ملآن حيات يركب بعضها بعضا . وقوله :
فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى
أي خاف على الناس أن يفتنوا بسحرهم ويغتروا بهم قبل أن يلقي ما في يمينه ، فأوحى اللّه تعالى إليه في الساعة الراهنة أن ألق ما في يمينك يعني عصاك ، فإذا هي تلقف ما صنعوا وذلك أنها صارت تنينا عظيما هائلا ذا قوائم وعنق ورأس وأضراس ، فجعلت تتبع تلك الخبال والعصي حتى لم تبق منها شيئا إلا تلقفته وابتلعته ، والسحرة والناس ينظرون إلى ذلك عيانا جهرة نهارا ضحوة ، فقامت المعجزة واتضح البرهان ، ووقع الحق وبطل السحر ، ولهذا قال تعالى :
إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى
. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا محمد بن موسى الشيباني حدثنا حماد بن خالد حدثنا ابن معاذ أحسبه الصائغ عن الحسن عن جندب عن عبد اللّه البجلي قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إذا أخذتم يعني الساحر فاقتلوه ثم قرأ
وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى
قال : لا يؤمن به حيث وجد » « 1 » وقد روى أصله الترمذي موقوفا ومرفوعا . فلما عاين السحرة ذلك وشاهدوه ، ولهم خبرة بفنون السحر وطرقه ووجوهه علموا علم اليقين أن هذا الذي فعله موسى ليس من قبيل السحر والحيل ، وأنه حق لا مرية فيه ، ولا يقدر على هذا إلا الذي يقول للشيء كن فيكون ، فعند ذلك وقعوا سجدا للّه ، و
قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ *
[ الشعراء : 47 -
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في الحدود باب 27 .
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 266 | ابن كثير / محمد حسين شمس الدين