وقوله :
وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ
أي ربك يا محمد غفور ذو رحمة واسعة
لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ
كما قال :
وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ
[ فاطر : 45 ] وقال :
وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ
[ الرعد : 6 ] والآيات في هذا كثيرة شتى ، ثم أخبر أنه يحلم ويستر ويغفر ، وربما هدى بعضهم من الغي إلى الرشاد ، ومن استمر منهم فله يوم يشيب فيه الوليد ، وتضع كل ذات حمل حملها ، ولهذا قال :
بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا
أي ليس لهم عنه محيص ولا محيد ولا معدل . وقوله :
وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا
أي الأمم السالفة والقرون الخالية ، أهلكناهم بسبب كفرهم وعنادهم ،
وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً
أي جعلناه إلى مدة معلومة ووقت معين ، لا يزيد ولا ينقص ، أي وكذلك أنتم أيها المشركون احذروا أن يصيبكم ما أصابهم ، فقد كذبتم أشرف رسول وأعظم نبي ، ولستم بأعز علينا منهم ، فخافوا عذابي ونذري .
[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 60 إلى 65 ]
وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً ( 60 ) فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً ( 61 ) فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً ( 62 ) قالَ أَ رَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً ( 63 ) قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً ( 64 )
فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ( 65 )
سبب قول موسى لفتاه وهو يوشع بن نون ، هذا الكلام أنه ذكر له أن عبدا من عباد اللّه بمجمع البحرين عنده من العلم ما لم يحط به موسى ، فأحب الرحيل إليه ، وقال لفتاه ذلك
لا أَبْرَحُ
أي لا أزال سائرا
حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ
أي هذا المكان الذي فيه مجمع البحرين ، قال الفرزدق : [ الطويل ]
فما برحوا حتى تهادت نساؤهم * ببطحاء ذي قار عياب اللطائم « 1 »
قال قتادة وغير واحد : هما بحر فارس مما يلي المشرق ، وبحر الروم مما يلي المغرب ، وقال محمد بن كعب القرظي : مجمع البحرين عند طنجة ، يعني في أقصى بلاد المغرب ، فاللّه أعلم . وقوله :
أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً
أي ولو أني أسير حقبا من الزمان . قال ابن جرير « 2 » رحمه اللّه : ذكر بعض أهل العلم بكلام العرب أن الحقب في لغة قيس سنة ، ثم روي عن عبد اللّه بن عمرو أنه قال : الحقب ثمانون سنة . وقال مجاهد : سبعون خريفا . وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله :
أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً
قال : دهرا ، وقال قتادة وابن زيد مثل ذلك .
هامش
( 1 ) البيت في ديوان الفرزدق ص 543 ، وتفسير الطبري 8 / 246 ، وتفسير البحر المحيط 6 / 135 .
( 2 ) تفسير الطبري 8 / 246 .