تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
أحمد ، وله شواهد من وجوه أخر ، وقد ذكرناها عند قوله تعالى :
وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً
وعند قوله تعالى :
إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ
[ الأنعام : 38 ] .

[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 50 ]

وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً ( 50 ) يقول تعالى منبها بني آدم على عداوة إبليس لهم ولأبيهم من قبلهم ، ومقرعا لمن اتبعه منهم وخالف خالقه ومولاه ، وهو الذي أنشأه وابتداه وبألطافه رزقه وغذاه ، ثم بعد هذا كله وإلى إبليس وعادى اللّه ، فقال تعالى :
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ
أي لجميع الملائكة كما تقدم تقريره في أول سورة البقرة
اسْجُدُوا لِآدَمَ
أي سجود تشريف وتكريم وتعظيم ، كما قال تعالى :
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ
[ الحجر : 28 - 29 ] . وقوله :
فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ
أي خانه أصله ، فإنه خلق من مارج من نار ، وأصل خلق الملائكة من نور . كما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي اللّه عنها ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « خلقت الملائكة من نور ، وخلق إبليس من مارج من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم » « 1 » ، فعند الحاجة نضح كل وعاء بما فيه ، وخانه الطبع عند الحاجة وذلك أنه كان قد توسم بأفعال الملائكة وتشبه بهم وتعبد وتنسك ، فلهذا دخل في خطابهم وعصى بالمخالفة ، ونبه تعالى هاهنا على أنه من الجن أي على أنه خلق من نار ، كما قال :
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ *
[ الأعراف : 12 - 76 ] قال الحسن البصري : ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط ، وإنه لأصل الجن ، كما أن آدم عليه السلام أصل البشر ، رواه ابن جرير « 2 » بإسناد صحيح عنه . وقال الضحاك عن ابن عباس : كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن ، خلقوا من نار السموم من بين الملائكة ، وكان اسمه الحارث ، وكان خازنا من خزان الجنة ، وخلقت الملائكة من نور غير هذا الحي ، قال : وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار « 3 » ، وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت . وقال الضحاك أيضا عن ابن عباس : كان إبليس من أشرف الملائكة وأكرمهم قبيلة ، وكان خازنا على الجنان ، وكان له سلطان السماء الدنيا وسلطان الأرض ، وكان مما سولت له نفسه من قضاء اللّه أنه رأى أن له بذلك شرفا على أهل السماء ، فوقع من ذلك في قلبه كبر لا يعلمه إلا اللّه ، واستخرج اللّه ذلك
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الزهد حديث 60 ، وأحمد في المسند 6 / 153 ، 168 . ( 2 ) تفسير الطبري 8 / 236 . ( 3 ) انظر تفسير الطبري 8 / 235 .