تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
فهمه وتدبره ، ولم يخبرنا بمكان هذا الكهف في أي البلاد من الأرض ، إذ لا فائدة لنا فيه ولا قصد شرعي ، وقد تكلف بعض المفسرين فذكروا فيه أقوالا ، فتقدم عن ابن عباس أنه قال : هو قريب من أيلة . وقال ابن إسحاق : هو عند نينوى . وقيل : ببلاد الروم . وقيل : ببلاد البلقاء ، واللّه أعلم بأي بلاد اللّه هو ، ولو كان لنا فيه مصلحة دينية لأرشدنا اللّه تعالى ورسوله إليه ، فقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما تركت شيئا يقربكم إلى الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أعلمتكم به » فأعلمنا تعالى بصفته ، ولم يعلمنا بمكانه ، فقال :
وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَّزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ
قال مالك عن زيد بن أسلم : تميل
ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ
أي في متسع منه داخلا بحيث لا تصبيهم ، إذ لو أصابتهم لأحرقت أبدانهم وثيابهم ، قاله ابن عباس .
ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ
حيث أرشدهم إلى هذا الغار الذي جعلهم فيه أحياء والشمس والريح تدخل عليهم فيه لتبقى أبدانهم ، ولهذا قال تعالى :
ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ
، ثم قال :
مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ
الآية ، أي هو الذي أرشد هؤلاء الفتية إلى الهداية من بين قومهم ، فإنه من هداه اللّه اهتدى ، ومن أضله فلا هادي له .

[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 18 ]

وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً ( 18 ) ذكر بعض أهل العلم أنهم لما ضرب اللّه على آذانهم بالنوم ، لم تنطبق لئلا يسرع إليها البلى ، فإذا بقيت ظاهرة للهواء كان أبقى لها ، ولهذا قال تعالى :
وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ
وقد ذكر عن الذئب أنه ينام فيطبق عينا ويفتح عينا ، ثم يفتح هذه ويطبق هذه وهو راقد ، كما قال الشاعر : [ الطويل ]
ينام بإحدى مقلتيه ويتّقي * بأخرى الرزايا فهو يقظان نائم « 1 »
وقوله : تعالى :
وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ
قال بعض السلف : يقلبون في العام مرتين . قال ابن عباس : لو لم يقلبوا لأكلتهم الأرض . قوله
وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ
قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة : الوصيد الفناء ، وقال ابن عباس : بالباب . وقيل : بالصعيد وهو التراب ، والصحيح أنه بالفناء وهو الباب ، ومنه قوله تعالى :
إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ
هامش
( 1 ) يروى عجر البيت : بأخرى الأعادي فهو يقظان هاجع والبيت لحميد بن ثور في ديوانه ص 105 ، وأمالي المرتضى 2 / 213 ، وخزانة الأدب 4 / 292 ، والشعر والشعراء 1 / 398 ، والمقاصد النحوية 1 / 562 ، وبلا نسبة في تخليص الشواهد ص 214 ، وشرح الأشموني 1 / 106 ، وشرح ابن عقيل ص 132 .
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 130 | ابن كثير / محمد حسين شمس الدين